فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قبل رأسي، وأنا اخلي عنك، فقال: وعن جميع أسارى المسلمين، قال: نعم، فقبل رأسه فخلى بينهم، فقدم بهم على عمر، فقام عمر -رضي اللَّه عنه- فقبل رأسه) (1).

وإن مثل هذا الموقف الشجاع من عبدالله بن حذافة -رضي اللَّه عنه- وإقرار الفاروق -رضي اللَّه عنه- له، بل وتقبيله لرأسه على حسن صنيعه، دليل على تقديم مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد، وعلى أن الصبر على العذاب والإقدام على الموت ليس هو المطلوب من المستضعفين في كل الأحوال، بل إن الخلاص والاحتيال قد يكون هو القرار الأشجع والأنفع للمسلمين، ولهذا قال العز بن عبد السلام: "التَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ مَفْسَدَةٌ كَبِيرَةٌ لَكِنَّهُ وَاجِبٌ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ يُقْتَلُ مِنْ غَيْرِ نِكَايَةِ فِي الْكُفَّارِ، لِأَنَّ التَّغْرِيرَ بِالنُّفُوسِ إِنَّمَا جَازَ لِمَا فِيهِ مِنْ مَصْلَحَةِ إعْزَازِ الدِّينِ بِالنِّكَايَةِ فِي المُشْرِكِينَ، فَإِذَا لَمْ تَحْصُلْ النِّكَايَةُ وَجَبَ الِانْهِزَامُ لِمَا فِي الثُّبُوتِ مِنْ فَوَاتِ النُّفُوسِ مَعَ شِفَاءِ صُدُورِ الْكُفَّار وَإِرْغَامِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَقَدْ صَارَ الثُّبُوتُ هَهُنَا مَفْسَدَةً مَحْضَةً لَيْسَ فِي طَيِّهَا مَصْلَحَةٌ" (2).

[المسألة الرابعة: النطق بكلمة الكفر لمجرد التهديد أو الخوف على المال]

هل يباح للمستضعف النطق بكلمة الكفر إن تعلق التهديد بماله، مذهب الجمهور عدم اعتبار حفظ المال إكراهًا مبررًا للوقوع في الكفر (3)، واستدلوا لهذا بقوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ


(1) الإصابة في تمييز الصحابة، 4/ 58.
(2) قواعد الأحكام في مصالح الأنام، 1/ 95، وقد أورد هذا المثال ضمن الأمثلة على "الأفعال المشتملة على المصالح والمفاسد من رجحان مصالحهما على مفاسدهما، وهذه المصالح أقسام أحدها: ما يباح، والثاني: ما يجب لعظم مصلحته، والثالث: ما يستحب لزيادة مصلحته على مصلحة المباح، والرابع: مختلف فيه"، 1/ 84.
(3) انظر: بداية المبتدي، علي بن أبي بكر الفرغاني المرغيناني، مكتبة محمد علي صبح: القاهرة، ط 1، د. ت، 1/ 200، والتاج والإكليل، 4/ 46.

<<  <  ج: ص:  >  >>