للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

-صلى اللَّه عليه وسلم- لعدم استقرار ملكه، حتى إن النجاشي قال للصحابة رضوان اللَّه عليهم: (أشهد أنه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأنه الذي بشر به عيسى بن مريم، ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أحمل نعليه) (١).

وخبر محاولة الحبشة الخروج على النجاشي لإسلامه يكشف عن إسلام بعض أهل الحبشة وهم الذين صفوا معه في الميدان، كما يكشف عن الجهد الدعوي الذي كان يقوم به الصحابة رضوان اللَّه عليهم، إذ لا يعقل أن يمكث عدد من صحابة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مدة تزيد على أربعة عشر عامًا دون أن يتركوا أثرًا أو يكون لهم صحب، وإن لم تتحدث كتب السير والتاريخ عن هذا الأمر (٢)، وإن كان ابن إسحاق قد ذكر أن النجاشي بعث ابنه في ستين من الحبشة في سفينة فإذا كانوا في وسط من البحر غرقت بهم سفينتهم فهلكوا (٣).

إذًا فأسماء بنت عميس -رضي اللَّه عنها- قارنت حال المسلمين بالحبشة بحالهم في المدينة، وأما أم سلمة -رضي اللَّه عنها- فقد قارنت حال المسلمين بمكة قبل الهجرة بحالهم في الحبشة، وبهذا يمكن الجمع بين الحديثين، واللَّه أعلم.

ويتضح مما تقدم أنه في حالة الاستضعاف الجزئي لا يطلب من المستضعفين ترك كل شعائر الإسلام، إنما قد يطلب منهم التنازل عن بعض مبادئه، أو لا يمكنهم تطبيق بعض تشريعاته.


(١) أخرجه أبو داود، كتاب الجنائز، باب في الصلاة على المسلم يموت في بلاد الشرك، رقم: ٣٢٠٥، ٣/ ٢١٢، قال الألباني في ضعيف سنن أبي داود، ٧/ ٢٠٥: ضعيف الإسناد، وأخرجه الحاكم في المستدرك، رقم: ٣٢٠٨، ٢/ ٣٣٨، وأحمد، رقم: ٤٤٠٠، ١/ ٤٦١.
(٢) مع الهجرة إلى الحبشة، محمود شاكر، بيروت: المكتب الاصلامي، ط ١، ١٤٠٧ هـ، ص ٨١.
(٣) انظر: تاريخ الأمم والملوك، ٢/ ١٣٢، والمنتظم، عبد الرحمن بن علي بن الجوزي، بيروت: دار صادر، ط ١، ١٣٥٨ هـ، ٣/ ٢٨٨.

<<  <   >  >>