للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأكد هذا الغلط أن بعض الفقهاء سمع قولَهم: إن الحرةَ كلها عورة إلا وجهها وكفيها، وعورة الأمة ما لا يظهر غالبًا كالبَطْن والظهر والساق؛ فظن أن ما يظهر غالبًا حكمه حكم وجه الرجل، وهذا إنما هو في الصلاة لا في النَّظر، [فإن العورةَ عورتان: عورةَ النظر، وعورةَ الصلاة؛] (١) فالحرة لها أن تصلي مكشوفةَ الوجه والكفين، وليس لها أن تخرج في الأسواق ومجامع الناس كذلك، واللَّه أعلم.

[فصل [الفرق بين السارق والمنتهب]]

وأما قطع يد السارق في ثلاثة دراهم، وترْك قَطْع المُختلس والمُنْتَهب والغاصب فمن تمام حكمة الشارع أيضًا؛ فإن السارق لا يمكن الاحتراز منه، فإنه يَنْقُبُ الدور ويهتك الحِرْز ويكسر القُفل، ولا يمكن صاحب المتاع الاحتراز [منه] (٢) بأكثر من ذلك، فلو لم يُشْرَع قطعه لسرق الناس بعضُهم بعضًا، وعظم الضرر، واشتدت المحنة بالسُّرَّاق، بخلاف المنتهب والمختلس؛ فإن المنتهب هو الذي يأخذ المال جهرة بمرأى من الناس، فيمكنهم أن يأخذوا على يَديه، ويخلِّصوا حَقَّ المظلوم أو يشهدوا له عند الحاكم، وأما المختلس فإنه إنما يأخذ (٣) المال على حين غفلة من صاحبه وغِرَّة (٤)، فلا يخلو من نوع تفريط يُمكِّن به المختلس من اختلاسه، وإلا فمع كمال التحفظ والتيقظ لا يمكنه الاختلاس، فليس كالسارق، بل هو بالخائن أشبه؛ وأيضًا فالمختلس إنما يأخذ المال من غير حِرز مثله غالبًا، فإنه الذي يغافلك ويختلس متاعك في حال تخلِّيك عنه وغفلتكَ عن حفظه، وهذا يمكن الاحتراز منه غالبًا، فهو كالمنتهب؛ وأما الغاصب فالأمر فيه ظاهر، وهو أولى بعدم القطع من المنتهب، ولكن يسوغ (٥) كفُّ عُدْوان هؤلاء بالضَّرب والنكال والسجن الطويل والعقوبة بأخذ المال كما سيأتي.

فإن قيل: فقد وردتِ السنة بقطع جاحد العارية (٦)، وغايته أنه خائن،


(١) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(٢) ما بين المعقوفتين من (ن).
(٣) في المطبوع: "يأخذوا".
(٤) في المطبوع و (ك): "على حين غفلة من مالكه وغيره".
(٥) في (ق): "يشرع"، وأشار في الهامش إلى أنه في نسخة ما أثبتناه من المطبوع و (ن).
(٦) انظر: "زاد المعاد" (٣/ ٢١١، ٢١٢)، و"تهذيب السنن" (٦/ ٢٠٩ - ٢١٢)، و"إغاثة اللهفان" (٢/ ٧٣)، و"الحدود والتعزيرات" (٤٠٤ - ٤١٧).

<<  <  ج: ص:  >  >>