للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فأبطل [اللَّه] سبحانه برحمتة ورأفته سنة (١) الجاهلية، وأبدلنا بها الصبر والحمد والاسترجاع الذي هو أنفعُ للمُصاب في عاجلته وآجلته؛ ولما كانت مصيبةُ الموت لا بد أن تُحدثَ للمصاب من الجزع والألم والحزن ما تتقاضاه الطباع سمح لها الحكيم الخبير في اليسير من ذلك، وهو ثلاث أيام تجد بها نوع راحة وتقضي بها وطرًا من الحزن، كما رَخَّص للمهاجر أن يقيم بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثًا (٢)، وما زاد على الثلاث فمفسدتُه راجحة، فمنع منه، بخلاف مفسدة الثلاث فإنها مرجوحةٌ مغمورة بمصلحتها؛ فإن فطامَ النفوس عن مألوفاتها بالكلية من أشق الأمور عليها، فأعطيت بعض الشيء ليسهل عليها ترك الباقي، فإن النَّفسَ إذا أخذت بعض مرادها قنعت به، فإذا سألت ترك الباقي كانت إجابتها إليه أقرب من إجابتها لو حُرِمَتَه (٣) بالكلية.

ومن تأمَّل أسرار الشريعة وتدبر حكمها رأى ذلك ظاهرًا على صفحات أوامرها ونواهيها، باديًا لمن نَظَرهُ نافذ (٤)؛ فإذا حَرَّم عليهم شيئًا عَوَّضهم عنه بما هو خير لهم منه وأنفع، وأباح لهم منه ما تدعوا حاجتهم إليه ليسهل عليهم تركه (٥)، كما حرم عليهم بيع الرطب بالتمر، وأباح لهم منه العرايا (٦)، وحرم عليهم النظر إلى الأجنبية، وأباح لهم منه نظر الخاطب والمعامل والطبيب (٧)، وحرم عليهم أكل المال بالمغالبات الباطلة كالنرد والشطرنج وغيرهما، وأباح لهم أكله بالمغالبات النافعة كالمسابقة والنضال (٨)، وحَرَّم عليهم لباس الحرير، وأباح لهم منه اليسير الذي تدعو الحاجة إليه (٩)، وحرم عليهم كسب المال بربا النسيئة، وأباح لهم كسبه بالسلم (١٠)، وحرم عليهم في الصيام وطء نسائهم وعَوَّضهم عن ذلك بأن أباحه لهم ليلًا؛ فسهل عليهم تركه بالنهار، وحرم عليهم الزنا وعوضهم


(١) في (ك): "شبه" وما بين المعقوفتين سقط من (ك) و (ق).
(٢) ثبت هذا في حديث رواه البخاري (٣٩٣٣) في مناقب الأنصار، ومسلم (١٣٥٣) في الحج، من حديث العلاء الحضرمي وسقطت "ثلاثًا" من (ك).
(٣) في المطبوع: "حرمت".
(٤) في (ق) و (ن): "لمن بصره باقية"، وقال في هامش (ق): "لعله: نافذة".
(٥) انظر كلامًا نفيسًا حول هذه القاعدة للمؤلف -رحمه اللَّه- في "زاد المعاد" (٣/ ١٠٧)، "إغاثة اللهفان" (٢/ ٦٩ - ٧٠)، و"روضة المحبين" (ص ٨ - ١٠).
(٦) مضى تخريجه، وفي (ك): "من العرايا".
(٧) انظر ما علقناه على (ص ٢٠٣ - ٢٠٤).
(٨) انظر "الفروسية" (ص ٣٢٥ - بتحقيقي).
(٩) مضى تخريج ذلك.
(١٠) مضى بيان ذلك.

<<  <  ج: ص:  >  >>