للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ} [الزخرف: ٢٣ - ٢٤] [وقال تعالى] (١): {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} [المائدة: ١٠٤] وهذا في القرآن كثير يَذمُّ فيه من أعرض عما أنزله وقنع بتقليد الآباء.

فإن قيل: إنّما ذم من قلَّد الكفّار وآباءه الذين لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون، ولم يَذم من قَلَّد العُلماءَ المهتدين، بل قد أمر بسؤال أهل الذكر، وهم أهل العلم، وذلك تقليدٌ لهم، فقال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: ٤٣] وهذا أمرٌ لمن لا يعلم بتقليدِ من يَعْلم.

فالجواب أنه سبحانه ذمَّ من أعرض عَمَّا أنزله إلى تقليد الآباء، وهذا القدر من التقليد هو مما اتفق السلف والأئمة الأربعة على ذَمِّه وتحريمه، وأما تقليد من بذل جُهده في اتباع ما أنزل اللَّه وخفي عليه بعضُه فقلَّد فيه من هو أعلم منه فهذا محمود غير مذموم، ومأجور غير مأزور، كما سيأتي بيانه عند ذكر التقليد الواجب والسائغ إن شاء اللَّه تعالى.

وقال تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: ٣٦] والتقليد ليس بعلم باتفاق أهل العلم كما سيأتي، وقال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: ٣٣] وقال تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} [الأعراف: ٣] فأمر باتباع المُنزَّل خاصة، والمُقلِّد ليس له علم أن هذا هو المنزَّل وإن كان (٢) قد تبيَّنت (٣) له الدلالة في خلاف قول من قَلَّده فقد علم أن تقليده في خلافه اتباع لغير المنزل، وقال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: ٥٩] فمنَعَنَا سبحانه من الرد إلى غيره وغير رسوله، وهذا يبطل التقليد. وقال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا (٤) وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً} [التوبة: ١٦] ولا وليجة (٥) أعظم ممن جعل رجلًا


(١) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) وبدلها في (ك) و (ق): "قال".
(٢) في (ق): "كانت"، وأشار في الهامش إلى أنه في نسخة ما أثبتناه.
(٣) في (ك) و (ق): "تبيّن".
(٤) تحرفت في المطبوع إلى: "أم حسبتم أن تدخلوا الجنة. . . "!.
(٥) "الوليجة: البطانة" (و).

<<  <  ج: ص:  >  >>