للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فالحاكم بالشهادة والإقرار منفِّذ لأمر اللَّه ورسوله، ولو تركنا تقليد الشاهد لم يلزم به حكم، وقد كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يقضي بالشاهد (١) وبالإقرار (٢)، وذلك حُكمٌ بنفس ما أنزل اللَّه لا بالتقليد؛ فالاستدلال (٣) بذلك على التقليد المتضمن للإعراض عن الكتاب والسنة وأقوال الصحابة، وتقديم آراء الرجال عليها، وتقديم قول الرجل على مَنْ هو أعلم منه واطِّراح قول من عداه جملة، من باب قلب الحقائق وانتكاس العقول والأفهام، وبالجملة فنحن إذا قبلنا قول الشاهد لم نقبله لمجرد كونه شهد به، بل لأن اللَّه سبحانه أمرنا بقبول قوله، فأنتم معاشر المقلدين إذا قبلتم قول من قَلَّدتموه قبلتموه لمجرد كونه قاله أو لأنَّ اللَّه أمركم بقبول قوله وطرح ما سواه (٤).

[[ليس من التقليد قبول قول القائف ونحوه]]

الوجه الستون: قولكم: "وقد جاءت الشريعة بقبول قول القائف والخارص والقاسم والمُقوِّم والحاكِمَيْن بالمثل في جزاء الصيد، وذلك تقليد محض" أتعنون به أنه تقليد لبعض العلماء في قبول أقوالهم أو تقليد لهم فيما يُخبرون به؟ فإن عنيتم الأول فهو باطل، وإن عَنيتم الثاني فليس فيه ما تستروحون إليه من التقليد الذي قام الدليل على بُطلانه، وقبول قول هؤلاء من باب قبول خبر المُخبر والشاهد، لا من باب قبول الفُتيا في الدين من غير قيام دليل على صحتها، بل لمجرد إحسان الظن بقائلها مع تجويز الخطأ عليه، فأين قبول الأخبار والشهادات


(١) مضى تخريجه، ومما يدل على هذا أخذه -صلى اللَّه عليه وسلم- بشهادة خزيمة بن ثابت في قصة حصلت معه، وقد جعل -صلى اللَّه عليه وسلم- شهادته بسبب ذلك شهادة رجلين، وقد تقدم ذلك مخرجًا.
(٢) ورد أخذ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بالإقرار في قصة ماعز في الزنى، وقد ورد هذا من رواية جمع من الصحابة منهم:
أبو سعيد الخدري: رواه مسلم (١٦٩٤) في (الحدود): باب من اعترف على نفسه بالزنا.
وأبو هريرة: رواه مسلم (١٦٩١) (١٦).
وجابر بن سمرة: رواه مسلم (١٦٩٢).
وبريدة في "صحيح مسلم" أيضًا (١٦٩٥)، وفيه اعتراف الغامدية، وفيه قصة المرأة التي اعترفت بالزنا، وورد من حديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني: رواه البخاري (٢٣١٤)، وأطرافه كثيرة انظرها هناك، ومسلم (١٦٩٦)، والمرأة التي من جهينة التي اعترفت بالزنا: رواه مسلم (١٦٩٦).
(٣) في (د): "فالاستدلال"!
(٤) في المطبوع: "وطرح قول من سواه".

<<  <  ج: ص:  >  >>