فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[التحذير من استحلال محارم اللَّه بالحيل]

فحقيقٌ بمن اتقى اللَّه وخاف نَكَالَه أن يَحْذَر استحلالَ محارم اللَّه بأنواع المكر والاحتيال، وأن يعلم أنه لا يخلصه من اللَّه ما أظهره مكرًا وخديعة من الأقوال والأفعال، وأن يعلم أن للَّه يومًا تَكَعُّ فيه الرجال، وتنسف فيه الجبال، وتترادف فيه الأهوال، وتشهد فيه الجوارح والأوصال، وتبلى فيه السرائر، وتظهر فيه الضمائر، ويصير الباطل فيه ظاهرًا، والسر علانية، المستور مكشوفًا، والمجهول معروفًا، [ويُحَصَّل] (1) ويبدو ما في الصدور، كما يُبَعْثرُ ويُخْرَجُ ما في القبور، وتجري أحكامُ الربِّ جل جلاله هنالك على القصود والنيات، كما جرت أحكامه في هذه الدار على ظواهر الأقوال والحركات، يوم تبيض وجوه بما في قلوب أصحابها من النصيحة للَّه ورسوله وكتابه وما فيها من البر [والصدق] (1) والإخلاص للكبير المتعال، وتَسْوَدُّ وجوه بما في قلوب أصحابها من الخديعة والغش والكذب والمكر والاحتيال، هنالك يعلم المخادعون أنهم لأنفسهم كانوا يخدعون، وبدينهم كانوا يلعبون، {وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [الأنعام: 123] (2).

[[الأعمال تابعة لمقاصد عاملها]]

وقد فصل قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ (3) ما نوى" (4) الأمْرَ في هذه الحيل وأنواعها، فأخبر أن الأعمال تابعة لمقاصدها ونياتها (5)، وأنه ليس للعبد من ظاهر قوله وعمله إلا ما نواه وأبطنه لا ما أعلنه وأظهره، وهذا نص في أن من نوى التحليل كان محللًا، ومَنْ نوى الربا بعقد التبايع كان مُرَابيًا، ومن نوى المكر والخداع كان ماكرًا مخادعًا، ويكفي هذا الحديث وحده في إبطال


(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2) للمزيد في مسألة تحريم الحيل، انظر: "سد الذرائع" (ص 85 - 95، 627 - 629، 644)، و"الموافقات" للشاطبي (3/ 8، 108 - 110 - بتحقيقى)، و"الأشباه والنظائر" (ص 406 - 416) لابن نجيم، و"المغني" (4/ 49 - 50 - الشرح الكبير)، و"بيان الدليل" (ص 61، 351)، و"تاريخ التشريع الإسلامي" (ص 333 - 337) لمناع القطان، و"إغاثة اللهفان" (1/ 498، 583 و 2/ 3، 162)، و"ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية" (255، 282) للبوطي.
(3) في (د) و (ط) و (ك) و (ق): "وإنما لامرئ ما نوى".
(4) سبق تخريجه.
(5) في (ن) و (ق): "ونهاياتها".

<<  <  ج: ص:  >  >>