للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الحكم، ولا في الدليل، لكن سلك طريقه في الاجتهاد والفتيا، ودعا إلى مذهبه، ورتّبه، وقرره، فهو موافق له في مقصده وطريقه معًا.

وقد ادّعى هذه المرتبة من الحنابلة القاضي أبو يعلى والقاضي أبو علي بن أبي موسى في "شرح الإِرشاد" الذي له، ومن الشافعية خلقٌ كثير، وقد اختلف (١) الحنفية في أبي يوسف (٢)، ومحمد، وزفر بن الهذيل، والشافعية في المزني، وابن سريج، وابن المنذر، ومحمد بن نصر المروزي، والمالكية في أشهب، وابن عبد الحكم، وابن القاسم، وابن وهب، والحنابلة في أبي حامد (٣)، والقاضي (٤): هل كان هؤلاء مستقلين بالاجتهاد أو متقيدين (٥) بمذاهب أئمتهم؟ على قولين، ومن تأمَّل أحوال هؤلاء وفتاويهم واختياراتهم علم أنهم لم يكونوا مقلّدين لأئمتهم في كل ما قالوه، وخلافهم لهم أظهر من أن ينكر، وإن كان منهم المستقل والمستكثر، ورتبة هؤلاء دون [رتبة] (٦) الأئمة في الاستقلال بالاجتهاد.

[فصل]

النوع الثالث: من هو مجتهد في مذهب من انتسب إليه مقرر له بالدليل متقن لفتاويه، عالم بها, لا يتعدى أقواله وفتاويه، ولا يخالفها، وإذا وجد نص إمامه لم يعدل عنه إلى غيره ألبتة، وهذا شأن أكثر المصنفين في مذاهب أئمتهم، وهو حال أكثر علماء الطوائف، وكثير منهم يظن أنه لا حاجة به إلى معرفة الكتاب والسنة والعربية؛ لكونه مجتزيًا (٧) بنصوص إمامه، فهي عنده كنصوص الشارع، قد اكتفى بها من كُلفة التَّعب والمشقة، وقد كفاه الإِمام استنباطَ الأحكام ومؤنة استخراجها من النُّصوص، وقد يرى إمامه ذكر حكمًا بدليله فيكتفي هو بذلك الدليل من غير بحث عن معارض له.

وهذا شأن كثير من أصحاب الوجوه والطرق والكتب المطوَّلة والمختصرة،


(١) في (ق) و (ك): "اختلفت".
(٢) في (ك): "أبي موسى"!!
(٣) في (ت) و (ق): "ابن حامد".
(٤) اعتنى المصنف في كتابه "الفروسية" (ص ٢٨٣ - ٢٨٥ - بتحقيقي) عنايةً فائقة بطبقات الفقهاء في المذاهب الأربعة المتبوعة، وتسمية أصحابها، فانظره، فإنه مفيد.
وانظر في الأئمة المذكورين: "أدب المفتي والمستفتي" (٩٢ - ٩٤)، و"النافع الكبير" (٤ - ٦) و"عمدة الرعاية" (٩) كلاهما للكنوي، و"شرح عقود رسم المفتي" (٣١).
(٥) في (ت): "مقيدين".
(٦) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(٧) كأنها في (ت): "مجترئًا"، وفي (ق): "يجتزئ".

<<  <  ج: ص:  >  >>