فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فإن قيل: الأول قد كان مذهبًا له مرة بخلاف ما لم يقل به قط.

قيل: هذا فرق عديم التأثير؛ إذ ما قال به وصرح بالرجوع عنه بمنزلة ما لم يقله، وهذا كلُّه مما يبيّن أن أهل العلم لا يتقيدون بالتَّقليد المحض الذي يهجرون لإجله قولَ كلِّ مَن خالف من قلَّدوه (1).

وهذه طريقة ذميمة وخيمة حادثة في الإسلام، مستلزمة لأنواع من الخطأ ومخالفة الصواب، واللَّه أعلم.

[[لا يجوز للمفتي أن يفتي بما يخالف النص]]

الفائدة الثالثة (2) والخمسون: يحرم على المفتي أن يفتي بضد لفظِ النَّص وإن وافق مذهبه.

ومثاله: أن يُسأل عن رجل صلَّى من الصبح ركعة، ثم طلعت الشمس هل يتم صلاته أم لا؟ فيقول: لا يتمّها، ورسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "فليتم صلاته" (3).

ومثل أن يُسئل عمَّن مات (4) وعليه [دين] (5) صيام هل يصوم عنه وليه؟ فيقول: لا يصوم عنه وليه (6)، ورسول اللَّه (7) -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول (8): "من مات وعليه صيام صام عنه وليه" (9).

ومثل أن يُسأل عن رجل باع متاعه ثم أفلس المشتري فوجده بعينه، هل هو


(1) انظر: "أدب المفتي والمستفتي" (128 - 131) و"صفة الفتوى" (43 - 44).
(2) في (ك): "الرابعة".
(3) رواه البخاري (556) في (مواقيت الصلاة): باب من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب، و (579) باب من أدرك من الفجر ركعة، ومسلم (608) في (المساجد ومواضع الصلاة): باب من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك تلك الصلاة، من حديث أبي هريرة.
ولفظ البخاري في الموضع الأول، هو الذي فيه فليتم صلاته، أما في الموضع الآخر وفي "صحيح مسلم" قال: "فقد أدرك الصلاة".
(4) في "ق": "ومثل من مات".
(5) ما بين المعقوفتين من (ك).
(6) بيّن المصنف رحمه اللَّه في مبحث قيم له أن الصحيح هو صيام الولي عن الميت في صيام النذر دون صيام الفرض، وبيّن السِّر في ذلك، فانظر: "تهذيب السنن" (3/ 278 - 282)، و"الروح" (ص 120).
(7) في المطبوع و (ت) و (ك): "وصاحب الشرع".
(8) في المطبوع و (ت): "قال".
(9) رواه البخاري (1952) في (الصوم): باب من مات وعليه صوم، ومسلم (1147) في (الصيام): باب قضاء الصيام عن الميت، من حديث عائشة.

<<  <  ج: ص:  >  >>