للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- من يجهد ويكدح في ردِّ ما جاء به إلى قول مُقَلَّده ومتبوعه، ويُضيِّع [عليه] (١) ساعات عمره في التعصب والهوى، ولا يشعر بتضييعه!؟

[[فتنة التعصب والمتعصبين]]

تاللَّه إنها فتنة عَمَّت فأَعْمَتْ، وَرَمَتِ القلوب فأصْمَتْ (٢)، رَبَى عليها الصغير، وَهَرِمَ فيها الكبير، واتخذ (٣) لأجلها القرآن مهجورًا، وكان ذلك بقضاء اللَّه وقَدَره في الكتاب مسطورًا، ولما عمَّت بها البليَّة، وعظمت بسببها (٤) الرزيَّة، بحيث لا يعرفُ أكْثَرُ الناس سواها ولا يعدُّونَ العلم إلا إياها، فطالِبُ الحق من مَظَانِّه (٥) لديهم مَفْتون، مُؤْثِره (٦) على ما سواه عندهم مَغْبُون، نَصَبوا لمن خالفهم في طريقتهم (٧) الحَبائل، وبَغَوْا له الغوائل، ورَمَوْه عن قوس الجهل والبغي والعناد, وقالوا لإخوانهم: {إِنِّي أَخَافُ (٨) أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} [غافر: ٢٦].

فحقيقٌ بِمَنْ لنفسه عنده قَدْرٌ وقيمَة، ألَّا (٩) يلتفت إلى هؤلاء، ولا يرضى لها بما لديهم، وإذا رُفِعَ له علم السنة النبوية شَمَّرَ إليه، ولم يَحْبِسْ نفسَه عليهم، فما هي إلا ساعة حتى يُبَعْثَر ما في القبور، ويحصَّل ما في الصدور، وتتساوى أقدام الخلائق في القيام للَّه، وينظر [كل عبد ما قدَّمت يداه، ويقع التمييز بين المحقّين والمُبْطِلين، ويعلم المعرضون عن كتاب ربهم] (١٠)، وسنة نبيهم؛ أنهم كانوا كاذبين.


= العلماء الذين لهم الفضل الذي ذكرناه، هم الذين يعلمون علم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- دون غيره من سائر العلوم؛ ألا تراه يقول: "العلماء ورثة الأنبياء"؟ والأنبياء لم يورثوا إلا العلم، وعِلْمُ نبينا -صلى اللَّه عليه وسلم-: سنته، فمن تَعرَّى عن معرفتها؛ لم يكن من ورثة الأنبياء".
(١) ما بين المعقوفتين من (ق).
(٢) "رمى، فأصمى": أي: [رمى فـ]، أصاب [من الصيد] مقتلًا، وفي الحديث (عن الصيد): "كل ما أصميت، ودع ما أنميت" [الصحاح] (د)، و (ط)، ما بين المعقوفات زيادات (ط) على (د)، وما بين القوسين زيادة (د) على (ط).
(٣) في (ك): "واتخذوا".
(٤) في (ك): "لسببها".
(٥) "مظان"، جمع فظنة، الجمع الذي يظن أن الشيء فيه، ولقد استعمل الظن هنا بمعنى العلم (ط)، ووقع في (ق): "طالب العلم" بدل "طالب الحق".
(٦) في (ك) و (ق): "ومؤثرة".
(٧) في (ق) و (ن): "طريقهم".
(٨) في (ق): "إنا نخاف".
(٩) في (ق): "أن لا".
(١٠) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).

<<  <  ج: ص:  >  >>