للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

منه (١)، والصواب أنه على وفق القياس، فإنه بيع مَضْمونٍ في الذمة موصوف مقدور على تسليمه غالبًا، وهو كالمعاوضة على المنافع في الإجارة، وقد تقدم أنها (٢) على وفق القياس، وقياسُ السَّلَم على بيع العَيْن المعدومة التي لا يدري أيَقْدِرُ على تحصيلها أم لا، والبائع والمشتري منها على غرَر، من أفسد القياسَ صورةً ومعنى، وقد فطر اللَّه سبحانه العقلاء على الفرق بين بيع الإنسان ما لا يملكه ولا هو مقدور له (٣)، وبين السلم إليه في مُغَلٍّ مضمون في ذمته مقدور في العادة على تسليمه، فالجمع بينهما كالجمع بين الميتة والمذكَّى (٤) والربا والبيع.

وأما قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لحكيم بن حزام: "لا تَبعْ ما ليس عندك" (٥) فيحمل على معنيين (٦):

أحدهما: أن يبيعَ عينًا معيَّنة وهي ليست عنده، بل ملك للغير، فيبيعها ثم يسعى في تحصيلِها وتسليمِها إلى المشتري.

والثاني: أن يريد بيعٍ ما لا يقدر على تسليمه وإن كان في الذمَّة، [وهذا أشبه، فليس] (٧) عنده حسًا ولا معنى، فيكون قد باعه شيئًا لا يدري هل يحصل [له] (٨) أم لا، وهذا يتناول أمورًا:

أحدها: بيعُ عينٍ معيَّنة ليست عنده.

الثاني: السَّلَم الحال في الذمة إذا لم يكن عنده ما يوفيه.

الثالث: السلم المؤجل إذا لم يكن على ثقة من توفيته [عادة] (٨) فأما إذا كان على ثقة من توفيته عادة فهو دَيْن من الديون، وهو كالابتياع بثمنٍ مؤجلٍ، فأيُّ فرقٍ بين كون أحد العوضين مؤجَّلًا في الذمة وبين الآخر؟ فهذا محضُ القياس


= والدارقطني (٢/ ٨ - ٩)، والبيهقي (٥/ ٢٦٧، ٣١٣)، كلهم عن حكيم بن حزام -رضي اللَّه عنه- مرفوعًا به. قال الترمذي: "حديث حسن".
والحديث صحيح، له شاهد من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، خرجته في تعليقي على "الموافقات" (١/ ٤٦٩) وللَّه الحمد.
(١) انظر حول هذا: "البناية" (٦/ ٦٢٣)، "المنتقى" للباجي (٤/ ٢٩٧)، "إحكام الأحكام" (٣/ ١٥٦).
(٢) في المطبوع: "أنه".
(٣) في (ن): "ولا يقدر عليه".
(٤) في (ق): "والذكي".
(٥) مضى تخريجه في الصفحة السابقة.
(٦) في (ك) و (ق): "فيحتمل معنيين".
(٧) بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "وليس".
(٨) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).

<<  <  ج: ص:  >  >>