للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وَجَوَابُهُ مَا ذَكَرْنَا، وَلِأَنَّ النَّصَّ يَقْتَضِي صِحَّةَ الْإِيلَاءِ مِنْ النِّسَاءِ مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِوَصْفِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْجِمَاعِ

فَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ إمَّا لِأَنَّ فِيهِ تَقْيِيدَ الْمُطْلَقِ وَهُوَ نَسْخٌ فَلَا يَجُوزُ إلَّا بِمِثْلِهِ أَوْ؛ لِأَنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ فِيهِ إبْطَالُ حُكْمِ النَّصِّ وَالتَّعْلِيلُ عَلَى وَجْهٍ يُبْطِلُ حُكْمَ النَّصِّ بَاطِلٌ بَلْ لَا يَجُوزُ تَعْلِيلُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُبْطِلًا لَهُ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ فِي الْمَنْصُوصِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ لَا بِالتَّعْلِيلِ وَإِنَّمَا التَّعْلِيلُ لِإِلْحَاقِ غَيْرِهِ بِهِ، وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ التَّعْلِيلُ بِالْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ لِعَدَمِ التَّعَدِّي، وَلَوْ قَرُبَهَا بَعْدَ مَا فَاءَ بِلِسَانِهِ كَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ لِتَحَقُّقِ الْحِنْثِ بِهِ لِأَنَّ يَمِينَهُ بَاقِيَةٌ فِي حَقِّ الْحِنْثِ وَإِنْ بَطَلَتْ فِي حَقِّ الطَّلَاقِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَإِنْ قَدَرَ فِي الْمُدَّةِ فَفَيْؤُهُ الْوَطْءُ) أَيْ إنْ قَدَرَ عَلَى الْجِمَاعِ فِي مُدَّةِ الْإِيلَاءِ بَعْدَمَا فَاءَ إلَيْهَا بِاللِّسَانِ بَطَلَ ذَلِكَ الْفَيْءُ وَكَانَ فَيْؤُهُ بِالْجِمَاعِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْفَيْءَ بِاللِّسَانِ خَلَفٌ عَنْ الْفَيْءِ بِالْجِمَاعِ فَإِذَا قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْبَدَلِ بَطَلَ كَالْمُتَيَمِّمِ إذَا رَأَى الْمَاءَ. .

قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ إيلَاءٌ إنْ نَوَى التَّحْرِيمَ أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا وَظِهَارٌ إنْ نَوَاهُ وَكَذِبٌ إنْ نَوَى الْكَذِبَ وَبَائِنَةٌ إنْ نَوَى الطَّلَاقَ وَثَلَاثٌ إنْ نَوَاهُ)، وَهَذَا مُجْمَلٌ يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى التَّفْصِيلِ فَنَقُولُ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ سُئِلَ عَنْ نِيَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ مُجْمَلٌ فَكَانَ بَيَانُهُ إلَى الْمُجْمَلِ فَإِنْ قَالَ أَرَدْت بِهِ التَّحْرِيمَ أَوْ لَمْ أُرِدْ بِهِ شَيْئًا فَهُوَ يَمِينٌ يَصِيرُ بِهِ مُولِيًا؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ الْحَلَالِ يَمِينٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} [التحريم: ١] ثُمَّ قَالَ {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: ٢] وَإِنْ نَوَى الظِّهَارَ فَهُوَ ظِهَارٌ؛ لِأَنَّ الظِّهَارَ فِيهِ حُرْمَةٌ فَإِذَا نَوَاهُ صَحَّ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُهُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَكُونُ ظِهَارًا لِعَدَمِ رُكْنِهِ وَهُوَ تَشْبِيهُ الْمُحَلَّلَةِ بِالْمُحَرَّمَةِ وَإِنْ قَالَ أَرَدْت الْكَذِبَ فَهُوَ كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَ الْمُحَلَّلَةَ بِالْحُرْمَةِ فَكَانَ كَذِبًا حَقِيقَةً فَإِذَا نَوَاهُ صُدِّقَ لِأَنَّهُ حَقِيقَةُ كَلَامِهِ وَقِيلَ لَا يُصَدَّقُ؛ لِأَنَّهُ يَمِينٌ ظَاهِرًا فَلَا يُصَدَّقُ فِي الصَّرْفِ إلَى غَيْرِهِ

وَإِنْ قَالَ أَرَدْت الطَّلَاقَ فَهُوَ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الثَّلَاثَ وَقَدْ مَرَّ فِي الْكِنَايَاتِ وَقِيلَ يُصْرَفُ التَّحْرِيمُ إلَى الطَّلَاقِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ لِلْعُرْفِ لَا سِيَّمَا فِي زَمَانِنَا، وَذَكَرَ فِي الْفَتَاوَى إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ وَالْحَرَامُ عِنْدَهُ طَلَاقٌ وَلَكِنْ لَمْ يَنْوِ طَلَاقًا وَقَعَ الطَّلَاقُ، وَهَذَا يَدُلُّك عَلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ لِلْعُرْفِ وَعُرْفُ النَّاسِ الْيَوْمَ إطْلَاقُهُ عَلَى الطَّلَاقِ، وَلِهَذَا لَا يَحْلِفُ بِهِ إلَّا الرِّجَالُ وَعَنْ هَذَا قَالُوا لَوْ نَوَى غَيْرَهُ لَا يُصَدَّقُ قَضَاءً، وَلَوْ كَانَتْ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا يَقَعُ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ وَقِيلَ تَطْلُقُ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ وَإِلَيْهِ الْبَيَانُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَالْأَشْبَهُ.

(بَابُ الْخُلْعِ) الْخُلْعُ النَّزْعُ وَالْفَصْلُ لُغَةً يُقَالُ خَلَعَ نَعْلَهُ خُلْعًا وَخَلَعَ ثَوْبَهُ أَيْ نَزَعَهُ وَخَالَعَتْ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا إذَا افْتَدَتْ نَفْسَهَا مِنْهُ بِمَالٍ وَخَالَعَهَا وَتَخَالَعَا تَشْبِيهًا لِفِرَاقِهِمَا بِنَزْعِ الثِّيَابِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِبَاسُ الْآخَرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} [البقرة: ١٨٧] وَفِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ أَخْذِ الْمَالِ بِإِزَاءِ مِلْكِ النِّكَاحِ بِلَفْظِ الْخُلْعِ وَشَرْطُهُ شَرْطُ الطَّلَاقِ وَحُكْمُهُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ الْبَائِنِ وَصِفَتُهُ يَمِينٌ مِنْ جِهَتِهِ مُعَاوَضَةٌ مِنْ جِهَتِهَا وَهُوَ مَشْرُوعٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: ٢٢٩]، وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الْخُلْعُ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ» وَقَدْ أَجْمَعَتْ الصَّحَابَةُ عَلَى ذَلِكَ، وَلِأَنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ حَقُّهُ فَجَازَ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ كَالْقِصَاصِ، وَقَالَ الْمُزَنِيّ الْخُلْعُ غَيْرُ جَائِزٍ وَزَعَمَ أَنَّ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ} [النساء: ٢٠] الْآيَةَ

ــ

[حاشية الشِّلْبِيِّ]

قَوْلُهُ وَإِنْ نَوَى الظِّهَارَ فَهُوَ ظِهَارٌ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَطْلَقَ الْحُرْمَةَ وَهِيَ أَنْوَاعٌ وَالظِّهَارُ مِنْهَا فَإِذَا نَوَاهُ بِهَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ مِنْ مُحْتَمِلِهِ اهـ. (قَوْلُهُ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ وَالْحَرَامُ عِنْدَهُ) أَيْ عِنْدَ الْقَائِلِ اهـ مِنْ خَطِّ الشَّارِحِ. (قَوْلُهُ وَقِيلَ تَطْلُقُ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ وَإِلَيْهِ الْبَيَانُ) قَالَ فِي الْكَافِي فِي أَثْنَاءِ مَا يَكُونُ يَمِينًا وَمَا لَا يَكُونُ يَمِينًا، وَلَوْ قَالَ حَلَالُ اللَّهِ عَلَيَّ حَرَامٌ وَلَهُ امْرَأَتَانِ يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَى وَاحِدَةٍ وَإِلَيْهِ الْبَيَانُ فِي الْأَظْهَرِ كَقَوْلِهِ امْرَأَتِي طَالِقٌ وَلَهُ امْرَأَتَانِ أَوْ أَكْثَرُ وَفِي كَلَامِ الشَّارِحِ غُمُوضٌ فِي تَصْوِيرِهَا اهـ.

[بَابُ الْخُلْعِ]

(بَابُ الْخُلْعِ) قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة: التَّجْرِيدُ وَمُطْلَقُ لَفْظِ الْخُلْعِ مَحْمُولٌ عَلَى الطَّلَاقِ بِعِوَضٍ حَتَّى لَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ اخْلَعْ امْرَأَتِي فَخَلَعَهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ لَمْ يَصِحَّ اهـ وَفِيهَا نَقْلًا عَنْ السِّرَاجِيَّةِ طَلَّقَهَا بَعْدَ الْخُلْعِ عَلَى مَالٍ طَلُقَتْ وَلَمْ يَجِبْ الْمَالُ اهـ قَالَ فِي الِاخْتِيَارِ وَهُوَ فِي إزَالَةِ الزَّوْجِيَّةِ بِضَمِّ الْخَاءِ وَإِزَالَةِ غَيْرِهَا بِفَتْحِهَا كَمَا اخْتَصَّ إزَالَةَ قَيْدِ النِّكَاحِ بِالطَّلَاقِ وَفِي غَيْرِهِ بِالْإِطْلَاقِ اهـ. (قَوْلُهُ: وَخَالَعَهَا وَتَخَالَعَا تَشْبِيهًا) قَالَ الْكَمَالُ صِيغَ مِنْهَا الْمُفَاعَلَةُ مُلَاحَظَةً لِمُلَابَسَةِ كُلٍّ لِلْآخَرِ كَالثَّوْبِ اهـ. (قَوْلُهُ وَشَرْطُهُ شَرْطُ الطَّلَاقِ) أَيْ وَهُوَ الْأَهْلُ وَالْمَحَلُّ اهـ مِنْ خَطِّ الشَّارِحِ. (قَوْلُهُ: وُقُوعُ الطَّلَاقِ الْبَائِنِ) أَيْ: عِنْدَنَا. اهـ. (قَوْلُهُ وَصِفَتُهُ يَمِينٌ مِنْ جِهَتِهِ مُعَاوَضَةٌ مِنْ جِهَتِهَا إلَخْ) فَتُرَاعَى أَحْكَامُ الْيَمِينِ مِنْ جَانِبِهِ وَأَحْكَامُ الْمُعَاوَضَةِ مِنْ جَانِبِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا هُوَ يَمِينٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَسَيَأْتِي ثَمَرَةُ الْخِلَافِ اهـ فَتْحٌ. (قَوْلُهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ) أَيْ: وَالْمَعْقُولُ. اهـ. كَافِي. (قَوْلُهُ: أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى {فَلا جُنَاحَ} [البقرة: ١٥٨] إلَخْ) وَالْآيَةُ نَزَلَتْ فِي ثَابِتٍ وَامْرَأَتِهِ وَهُوَ أَوَّلُ خُلْعٍ وَقَعَ فِي الْإِسْلَامِ كَذَا فِي الْكَشَّافِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ فَجَازَ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ إلَخْ) وَسَوَاءٌ كَانَ بِلَفْظِ الْخُلْعِ أَوْ الطَّلَاقِ أَوْ الْمُبَارَأَةِ أَوْ الْبَيْعِ بِأَنْ يَقُولَ خَلَعْتُك عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ أَوْ طَلَّقْتُك عَلَى أَلْفٍ أَوْ بَارَأْتُك أَوْ بِعْت نَفْسَك أَوْ طَلَاقُك عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ وَفِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ إلَّا بِقَبُولِهَا فِي الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ وَالْمُعَاوَضَةُ لَا تَتِمُّ إلَّا بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ؛ لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ وَتَمَلُّكٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَلَزِمَهَا الْمَالُ لِالْتِزَامِهَا وَهِيَ مِنْ أَهْلِهِ لِوِلَايَتِهَا عَلَى نَفْسِهَا. اهـ. كَافِي. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ هُوَ الْفَصْلُ مِنْ النِّكَاحِ) لَيْسَ هَذَا فِي خَطِّ الشَّارِحِ وَاَلَّذِي بِخَطِّ الرَّازِيّ هُوَ الْفَصْلُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ اهـ. .

<<  <  ج: ص:  >  >>