للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

الجواب: أولا: الزيادة في الربا لازمة للبائع على المشتري، وفي التورق محتملة، وليست للبائع الأول.

ثانيا: القول بالموجب، سلمنا أن الفرق منفعة التبادل، ولكنها موجودة في محل الخلاف، فإن البيع في التورق ليس صوريًا، بل مشروط في البيعين جميعًا جميع شروط البيع وزيادة، مثل اشتراط ألا يكون المشتري الثاني هو البائع الأول أو وكيله أو كل من يعتبر البيع له في حكم إعادة للسلعة للأول، وقصد المشتري للسلعة كقصد التاجر والمضارب لها، كلهم يقصد منها قصدًا جائزًا، وهو ثمنها.

الدليل الثاني: أحاديث النهي عن بيع السلع حتى تُقبض (١)، فدلت بمفهوم الغاية على جواز بيعها إذا تم القبض، فمثلا في حديث حكيم - رضي الله عنه - قال: قلت: يا رسول الله، إني أشتري بيوعًا فما يحل لي منها وما يحرم عليَّ؟ قال: «فإذا اشتريت بيعًا فلا تبعه حتى تقبضه» فالشراء في هذا الحديث وغيره مطلق، يشمل الحالَّ الثمنِ والمؤجَّلَهُ، كما لم يعلق النهي بكون البيع الأول مؤجلا والثاني معجلا، مع أن المقام يستدعي بيان ذلك لو كان منهيًا عنه، مع عدم ورود النهي عنه في نص آخر، حتى لا يظن ظان أن حكيمًا - رضي الله عنه - كان عالمًا بالحكم.

الدليل الثالث: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استعمل رجلا على خيبر، فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أكل تمر خيبر هكذا؟» قال: لا والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبًا» (٢).

وجه الدلالة: أن المحظور في واقعة الحديث بيع التمر بالتمر متفاضلا، وذلك عين الربا، والمخرج الصحيح من ذلك هو ما دلَّ إليه النبي - صلى الله عليه وسلم -، والمحظور في مسألتنا بيع السلعة على البائع الأول بأقل من الثمن الأول، وتلك العينة، التي هي من الربا، أما التورق السليم فليس البيع فيها على البائع الأول ولا من يقوم مقامه، وكأني بمن يحرم التورق -لو لم يرد هذا الحديث- يقولون من ابتاع الجمع بالدراهم واشترى بالدراهم جنيبًا محتال على الربا، والبيع صوري، والدراهم التي توسطت غير مقصودة لصاحب التمر، ونحو ذلك، وهذا ما قالوه في التورق، وكأنَّ هذا الحديث تعبدي غير معقول المعنى فلا يتعدى محله!

المناقشة (٣):


(١) سبقت ص ٤١ - ٤٣.
(٢) سبق تخريجه ص ٢٨.
(٣) قضايا في الاقتصاد والتمويل الإسلامي ص ٣٧٠ - ٣٧٥.

<<  <   >  >>