للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

آخَرَ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَتَقَيَّدُ بِذَلِكَ إذَا بَاعَهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَكَذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَأَعَادَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ، وَقَالَ فِي جَوَابِهَا: لَمْ أُجِزْ الْبَيْعَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالْخُرُوجِ بِهِ، اتَّفَقَ عَلَى ذَلِكَ رِوَايَةُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَرِوَايَةُ أَبِي حَفْصٍ وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اعْتَبَرَ مُطْلَقَ الْأَمْرِ حَتَّى يَجُوزَ بَيْعُهُ فِي مَكَان آخَرَ؛ لَكَانَتْ مُؤْنَةُ النَّقْلِ إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ عَلَى الْمُوَكِّلِ، كَمَا لَوْ أَمَرَهُ بِالْبَيْعِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ؛ وَهَذَا لِأَنَّ إحْضَارَ السِّلْعَةِ عَلَى الْبَائِعِ؛ لِيَسْتَوْفِيَ الثَّمَنَ، وَيُسَلِّمَ الْمَبِيعَ، وَلَا يُمْكِنُ إيجَابُ هَذِهِ الْمُؤْنَةِ عَلَيْهِ، وَرُبَّمَا يَبْلُغُ ذَلِكَ ثَمَنَ السِّلْعَةِ، أَوْ يَزِيدُ عَلَيْهِ، فَهَذَا دَلِيلٌ مُقَيِّدٌ لِمُطْلَقِ الْأَمْرِ بِالْمِصْرِ الَّذِي يُبَاعُ فِيهِ الْمَتَاعُ؛ فَلِهَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ فِي مَكَان آخَرَ، بِخِلَافِ مَا لَا حِمْلَ لَهُ، وَلَا مُؤْنَةَ، وَبِمِثْلِ هَذَا قَالَ فِي الْكِتَابَيْنِ: لَوْ ضَاعَ، أَوْ سُرِقَ قَبْلَ أَنْ يَبِيعَهُ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ، وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ: لَا يَكُونُ مَأْذُونًا مِنْ جِهَتِهِ فِي الْإِخْرَاجِ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَكَذَلِكَ لَوْ خَرَجَ بِهِ، وَلَمْ يَتَّفِقْ لَهُ بَيْعُهُ، كَانَتْ مُؤْنَةُ الرَّدِّ عَلَيْهِ دُونَ الْآمِرِ، فَعَرَفْنَا أَنَّهُ كَالْغَاصِبِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ.

وَإِنْ دَفَعَ إلَيْهِ دَرَاهِمَ يَشْتَرِي بِهَا ثَوْبًا سَمَّاهُ، وَلَمْ يُسَمِّ لَهُ الْمَكَانَ فَاشْتَرَاهُ بِغَيْرِ الْكُوفَةِ؛ كَانَ جَائِزًا؛ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ حِمْلٌ، وَلَا مُؤْنَةٌ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشِّرَاءِ وُجِدَ طَلْقًا.

فَإِنْ وَكَّلَهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ يَصْرِفُهَا لَهُ، ثُمَّ إنَّ الْمُوَكِّلَ صَرْفَ تِلْكَ الْأَلْفَ فَجَاءَ الْوَكِيلُ إلَى بَيْتِ الْمُوَكِّلِ، فَأَخَذَ أَلْفًا غَيْرَهَا فَصَرَفَهَا، فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ إنَّمَا حَصَلَ بِالصَّرْفِ بِدَرَاهِمَ فِي الذِّمَّةِ؛ إذْ النُّقُودُ لَا تَتَعَيَّنُ فِي الْعُقُودِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ صَرَفَ تِلْكَ الدَّرَاهِمَ كَانَ لِلْمُوَكِّلِ أَنْ يَمْنَعَهَا، وَيُعْطِيَ غَيْرَهَا، فَصَرْفُ الْمُوَكِّلِ تِلْكَ الْأَلْفَ بِنَفْسِهِ، لَا يَكُونُ تَصَرُّفًا مِنْهُ، فِيمَا تَتَنَاوَلُهُ الْوَكَالَةُ، فَلَا يُوجِبُ عَزْلَ الْوَكِيلِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ الْأُولَى بَاقِيَةً، وَأَخَذَ الْوَكِيلُ غَيْرَهَا فَصَرَفَهَا؛ لِأَنَّ الصَّرْفَ انْعَقَدَ بِدَرَاهِمَ فِي ذِمَّتِهِ سَوَاءٌ أَضَافَهُ إلَى تِلْكَ الْأَلْفِ، أَوْ غَيْرِهَا فَيَكُونُ مُمْتَثِلًا أَمْرَهُ فِي ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الدَّنَانِيرُ، وَالْفُلُوسُ، فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ أَنَّ تِلْكَ الْأَلْفَ لَوْ هَلَكَتْ بَعْدَ التَّسْلِيمِ إلَى الْوَكِيلِ، قَبْلَ أَنْ يَصْرِفَهَا بَطَلَتْ الْوَكَالَةُ؟ وَلَوْ لَمْ تَتَعَلَّقْ الْوَكَالَةُ بِهَا لَمَا بَطَلَتْ الْوَكَالَةُ بِهَلَاكِهَا، قُلْنَا: الْوَكَالَةُ لَا تَتَعَلَّقُ بِعَيْنِهَا حَتَّى لَوْ صَرَفَهَا، ثُمَّ هَلَكَتْ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، كَانَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ الْمُوَكِّلَ بِأَلْفٍ أُخْرَى، فَأَمَّا إذَا هَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَصْرِفَهَا، إنَّمَا بَطَلَتْ الْوَكَالَةُ لِمَعْنَى دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْمُوَكِّلِ فَرُبَّمَا يَشُقُّ عَلَيْهِ أَدَاءُ أَلْفٍ أُخْرَى بَعْدِ هَلَاكِ تِلْكَ الْأَلْفِ، وَلَا ضَرَر عَلَى الْوَكِيلِ فِي إبْطَالِ الْوَكَالَةِ؛ إذَا هَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَصْرِفَهَا، وَهَذَا لَا يُوجَدُ إذَا كَانَتْ قَائِمَةً فِي يَدِ الْمُوَكِّلِ، أَوْ صَارَفَ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي إبْقَاءِ الْوَكَالَةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي انْعَقَدَتْ فِي الِابْتِدَاءِ، وَهُوَ الصَّرْفُ بِدَرَاهِمَ فِي الذِّمَّةِ، وَلَوْ أَمَرَهُ بِبَيْعِ فِضَّةٍ بِعَيْنِهَا، أَوْ ذَهَبٍ بِعَيْنِهِ، أَوْ عَرَضٍ مِنْ عُرُوضٍ، فَبَاعَ غَيْرَهُ، لَمْ يَجُزْ لَهُ؛ لِأَنَّ

<<  <  ج: ص:  >  >>