للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وَيَكُون الْبَاقِي مُؤَجَّلًا فِي ثَلَاثِ سِنِينَ سَوَاءٌ ذَكَرَ الْأَجَلَ أَوْ لَمْ يَذْكُرْهُ أَمَّا إذَا لَمْ يَذْكُرْ الْأَجَلَ فَلِأَنَّ هَذَا الصُّلْحَ إبْرَاءٌ عَنْ الْبَعْضِ، وَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِمَا بَقِيَ فَيَبْقَى مَا بَقِيَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ الْكُلُّ فِي الِابْتِدَاءِ، وَهُوَ أَنَّهُ مُؤَجَّلٌ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَكَذَلِكَ إنْ شُرِطَ الْأَجَلُ فِيمَا بَقِيَ مِنْ ثَلَاثِ سِنِينَ؛ لِأَنَّ هَذَا الشَّرْطَ يُقَرِّرُ مُقْتَضَى مُطْلَقِ الْعَقْدِ، وَلَا يُقَالُ هَذَا فِي مَعْنَى نَسِيئَةٍ بِنَسِيئَةٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عِنْدَ تَمَكُّنِ الْمُبَادَلَةِ، وَلَا مُبَادَلَةَ هَاهُنَا إنَّمَا هُوَ إسْقَاطُ نِصْفِ الْوَاجِبِ فَقَطْ، فَأَمَّا إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْإِبِلِ فَقَضَى عَلَيْهِ بِالْإِبِلِ فَصَالَحَهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْعُرُوضِ أَوْ الْحَيَوَانِ بِعَيْنِهِ بَعْدَ أَنْ لَا يَكُونَ مِمَّا فَرَضَ عَلَيْهِ الدِّيَةَ كَانَ جَائِزًا، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الدِّيَةِ أَضْعَافًا وَيَأْخُذُهُ حَالًّا؛ لِأَنَّ هَذَا اسْتِبْدَالٌ بِدَيْنٍ لَا يَسْتَحِقُّ قَبْضَهُ فِي الْمَجْلِسِ، وَلَا هُوَ فِي حُكْمِ الْمَبِيعِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ صَحِيحًا وَبِنَفْسِ الِاسْتِبْدَالِ يَمْلِكُهُ عَيْنًا، وَالْأَجَلُ فِي الْعَيْنِ لَا يَتَحَقَّقُ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْوَرِقِ أَوْ الذَّهَبِ فَقَضَى عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ صَالَحَهُ عَلَى عَيْنٍ مِنْ جِنْسٍ آخَرَ جَازَ، وَإِنْ جَعَلَ لِمَا وَقَعَ عَلَيْهِ الصُّلْحُ أَجَلًا بِأَنْ صَالَحَهُ عَلَى طَعَامٍ مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ مُؤَجَّلٍ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَمَّا قَضَى عَلَيْهِ بِهِ مِنْ الدَّرَاهِمِ أَوْ الدَّنَانِيرِ، فَيَكُونُ هَذَا شِرَاءَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ، وَذَلِكَ حَرَامٌ، وَكَذَلِكَ إنْ قَضَى عَلَيْهِ بِدَرَاهِمَ ثُمَّ صَالَحَهُ عَلَى دَنَانِيرَ بِعَيْنِهَا أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ دِينَارٍ أَوْ أَقَلَّ مِنْ أَلْفِ دِينَارٍ يَجُوزُ بَعْدَ أَنْ يَقْبِضَ ذَلِكَ فِي الْمَجْلِسِ، وَإِنْ صَالَحَهُ عَلَى دَنَانِيرَ مُؤَجَّلَةٍ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ صَرْفٌ وَلِأَنَّهُ دَيْنٌ بِدَيْنٍ، وَإِذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ أَنَّهُ قَتَلَ رَجُلًا خَطَأً، وَادَّعَى وَلِيُّهُ الْعَمْدَ فَلَهُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ اسْتِحْسَانًا، وَفِي الْقِيَاسِ لَا شَيْءَ لَهُ قَوْلُ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.

وَجْهُ الْقِيَاسِ: أَنَّ الْوَلِيَّ ادَّعَى عَلَيْهِ الْقَوَدَ وَهُوَ مُنْكِرٌ، وَهُوَ أَقَرَّ لَهُ بِالْمَالِ، وَقَدْ كَذَّبَهُ الْوَلِيُّ فِي ذَلِكَ فَلَا يَجِبُ شَيْءٌ.

(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِالْعَمْدِ وَادَّعَى الْوَلِيُّ الْخَطَأَ لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْوَلِيَّ يَتَمَكَّنُ مِنْ أَخْذِ الْمَالِ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ بِهِ الْقَاتِلُ مَعَ إصْرَارِهِ عَلَى دَعْوَاهُ بِأَنْ يَقُولَ حَقِّي فِي الْقِصَاصِ، وَلَكِنَّهُ طَلَبَ مِنِّي أَنْ آخُذَ الْمَالَ عِوَضًا عَنْ الْقِصَاصِ، وَذَلِكَ جَائِزٌ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ مَا صَارَ مُكَذِّبًا لَهُ فِيمَا أَقَرَّ بِهِ فَأَمَّا إذَا ادَّعَى الْوَلِيُّ الْخَطَأَ، وَأَقَرَّ الْقَاتِلُ بِالْعَمْدِ فَإِنَّ الْوَلِيَّ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْخُذَ الْمَالَ؛ لِأَنَّ الْقَاتِلَ يَجْحَدُ مُوجِبَ ذَلِكَ، وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْخُذَ الْقِصَاصَ مَعَ إصْرَارِهِ عَلَى الدَّعْوَى؛ لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْقِصَاصِ عِوَضٌ عَنْ الْمَالِ.

يُوَضِّحُ الْفَرْقَ أَنَّ الْوَلِيَّ حِينَ ادَّعَى الْعَمْدَ فَقَدْ ادَّعَى أَصْلَ الْقَتْلِ، وَالصِّفَةَ، وَالْمُقِرُّ بِالْخَطَأِ صَدَّقَهُ فِيمَا ادَّعَى مِنْ أَصْلِ الْقَتْلِ وَجَحَدَ مَا ادَّعَى مِنْ صِفَةِ الْعَمْدِيَّةِ فَلَا يُعْتَبَرُ تَصْدِيقُهُ فِي أَصْلِ الْقَتْلِ بَعْدَ مَا كَذَّبَهُ فِي الصِّفَةِ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ الْأَصْلِ الَّذِي صَدَّقَهُ فِيهِ يُخَالِفُ مُوجِبَ الْأَصْلِ بِالصِّفَةِ الَّتِي

<<  <  ج: ص:  >  >>