للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

كتابا فى اللغة، وعارض سورا من القرآن. وحكى عنه حكايات مختلفة فى اعتقاده، حتى رماه بعض الناس بالإلحاد. وبلغنا أنه مات فى يوم الجمعة الثالث عشر من شهر ربيع الأوّل، سنة تسع وأربعين وأربعمائة».

انقضى كلام أحمد بن على فى كتابه.

وذكر غيره أن أبا العلاء جدر فى السنة الثالثة من عمره، وكفّ من الجدرىّ.

وقال: لا أعرف من الألوان إلا الأحمر، فإننى ألبست فى مرض الجدرىّ ثوبا مصبوغا بالعصفر، فأنا لا أعقل غير ذلك، وكل ما أذكره من الألوان فى شعرى ونثرى إنّما هو تقليد الغير، واستعارة منه.

ولما كبر أبو العلاء، [و] وصل إلى سنّ الطلب، أخذ العربية عن قوم من بلده، كبنى كوثر، أو من يجرى مجراهم من أصحاب ابن خالويه وطبقته، وقيّد اللّغة عن أصحاب ابن خالويه أيضا. وطمحت نفسه إلى الاستكثار من ذلك، فرحل إلى طرابلس الشام، وكانت بها خزائن كتب قد وقفها ذوو اليسار من أهلها، فاجتاز باللّاذقيّة «١»، ونزل دير الفاروس «٢»، وكان به راهب يشدو شيئا من علوم الأوائل، فسمع منه أبو العلاء كلاما من أوائل أقوال الفلاسفة، حصل له به شكوك لم يكن عنده ما يدفعها «٣» به، فعلق بخاطره ما حصل به بعض الانحلال، وضاق عطنه عن كتمان ما تحمّله من ذلك، حتى فاه به فى أول عمره، وأودعه أشعارا له، ثم ارعوى ورجع، واستغفر واعتذر، ووجّه الأقوال وجوها احتملها التأويل.

ولم يكن من ذوى الأحوال «٤» فى الدنيا، وإنما خلّف له وقف يشاركه فيه غيره من قومه. وكانت له نفس تشرف عن تحمّل المنن، فمشى حاله على قدر الموجود،

<<  <  ج: ص:  >  >>