للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ولقد كان هذا الصبر من الصحابة رضوان الله عليهم نتاج تربية النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لهم، يقول خباب ابن الأرت - رضي الله عنه -: شكونا إِلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو متوسد ببردة له في ظلّ الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو لنا؟ فقال: "قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض، فيُجعَل فمِها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه، فيُجعَل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد من دون لحمه وعظمه، فما يصدّه ذلك عن دينه، والله ليتمّنّ هذا الأمر حتى يسير الراكبُ في صنعاء إِلى حضرموت لا يخاف إِلا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون" (١).

فضرب الصحابة رضوان الله عليهم هذه النماذج العالية في الصبر والتضحية بأنفسهم في سبيل هذا الدين، يتحملون أنواع الأذى ليظهر الله دينه، فرفع الله منزلتهم في الدنيا والآخرة.

وقد أقرّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الرخصة في اتّقاء عذاب المشركين بإظهار ما يريدون منهم، فقال لعمّار بن ياسر الذي ما تركه المشركون حتى نال من النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: "كيف تجد قلبك؟ " قال: مطمئنًا بالإِسلام. قال:"فإِن عادوا فعُدْ" (٢).

فلما اشتد البلاءُ وضاقت أرض مكة على المؤمنين أذن الله سبحانه وتعالى في الهجرة إِلى أرض الحبشة، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: إِن بأرض الحبشة ملكا لا يظلم عنده أحد، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجا ومخرجا مما أنتم فيه" (٣).


(١) أخرجه البخاري ح (٦٩٤٣).
(٢) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٤/ ١٨٢) في تفسير قوله تعالى {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل: ١٠٦].
(٣) ابن إسحاق، السيرة والمغازي (رواية يونس بن بكير) ص ١٩٤. بإسناد صحيح، وانظر: سليمان السعود، أحاديث الهجرة ص ٢٢.

<<  <   >  >>