للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

مشتمل الصماء (١)، فتذاكروا أمرَ رسول الله، فأشار كل أحد منهم برأيّ، والشيخ يردُّه ولا يرضاه، إِلى أن قال أبو جهل: (قد فُرِقَ لي فيه رأيٌّ ما أراكم قد وقعتم عليه). قالوا: ما هو؟ قال: (أرى أن نأخذ من كل قبيلة من قريشٍ غلامًا نهدًا جلدًا، ثم نعطيه سيفًا صارمًا، فيضربونه ضربةَ رجل واحد، فيتفرق دمُه في القبائل، فلا تدري بنو عبد مناف بعد ذلك كيف تصنع، ولا يمكنها معاداة القبائل كلها، ونسوق إِليهم ديته).

قال الشيخ: (لله درّ الفتى، هذا والله الرأيّ). قال: فاجتمعوا على ذلك. فجاءه جبريل بالوحي من عند ربه تبارك وتعالى، فأخبره بذلك، وأمره أن لا ينام في مضجعه تلك الليله (٢)، وجاء رسول الله إِلى أبي بكر نصف النهار -في ساعة لم يكن يأتيه فيها- متقنِعًا، فقال له: "أَخْرِجْ مَن عندك". فقال: (إِنّما هم أهلُك يا رسول الله). فقال: إِنّ الله قد أذن لي في الخروج.

فقال أبو بكر: (الصحابةَ يا رسول الله). فقال رسول الله: "نعم". فقال أبو بكر: (فخذ بأبي وأمي إِحدى راحلتى هاتين). فقال رسول الله: "بالثمن" (٣).

وأمر عليًّا أن يبيت في مضجعه تلك الليلة، واجتمع أولئك النفر من قريش يتطلعون من صير الباب، ويرصدونه، ويريدون بياته، ويأتمرون أيّهم يكون أشقاها، فخرج رسول الله عليهم، فأخذ حفنة من البطحاء، فجعل يذره على رؤوسهم، وهم لا يرونه.

ثم خلص إِلى بيت أبي بكر رضي الله عنه، فخرجا عن خوخة في دار أبي بكر ليلًا، وقد استأجرا عبد الله بن أريقط الليثي، وكان هاديًا خِريتًا ماهرًا بالدلالة إِلى أرض المدينة، وأمناه على ذلك، مع أنّه كان على دين قومه، وسلَّما إِليه راحلتيهما، وواعداه


(١) الصماء: الكساء الذي ليس له أكمام يخرج منها يديه.
(٢) انظر: سيرة ابن هشام (١/ ٤٨٠، ٤٨٣).
(٣) أخرجه البخاري في المناقب، باب هجرة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ح (٣٩٠٦) من حديث عائشة - رضي الله عنها -.

<<  <   >  >>