<<  <   >  >>
مسار الصفحة الحالية:

(بلكور) (20)، لينتقل سنة (1967م) إلى مدينة (الحراش) ويستوطنها إلى أن وافاه أجله - رحمه الله -، حيث جعل مساجد هذه البلدة منارات لنشر العلم الشرعي، وهذا في كل من: مسجد (الأربعة طرق)، فمسجد (جنان مبروك)، ثم مسجد (الجردي)، وأخيرا المسجد الكبير (مسجد الإمام الشافعي حاليا).

[مع جمعية القيم]

وهي جمعية دينية ثقافية، تأسست في الخامس عشر من رمضان عام (1383هـ. الموافق لـ: 9 فبراير 1963م).

وللجمعية مجلة موسومة بـ: "التهذيب الإسلامي" تصدر باللغتين العربية والفرنسية، وصدر من الأولى عشرة أعداد، ومن الثانية أحد عشر عددا، وقد صودر عددها الثاني عشر.

وقد كان الشيخ العرباوي ضمن الأمانة العامة واللجنة الأدبية كذلك، وكانت له مشاركة فيها.

[واقع مر .. وحال مبك .. وعزيمة صلبة]

لقد عاث المستدمر الفرنسي الصليبي في بلادنا فسادا في شتى الميادين وعلى نطاقات واسعة، ففساد في الأخلاق والقيم، وفساد في الاقتصاد، وإفساد في البنى الاجتماعية للمجتمع الجرائري آنذاك، وهذا مذ وطأت رجل فرنسا الخبيثة أرض بلادنا المسلمة، ومن أبشع وأفظع بل وأعفن فساد مارسه المحتل، هو الفساد العقدي الذي صال وجال لأجل تحقيقه في البلاد ولم يرحل المستدمر من بلادنا إلا بعد أن ترك طائفة غذاها بلبانها، فبثت الإلحاد والميوعة الفكرية في أوساطها.

يقول الشيخ عمر العرباوي - رحمه الله - ذاكرا حال هؤلاء عقب الاستقلال في كتابه "التخلي عن التقليد والتحلي بالأصل المفيد": "ولما تم الانتصار على العدو وطرد من البلاد، أخذ الجزائريون زمام الحكم بأيديهم، ولكن سرعان ما تنكر بعض الشبب للدين ولعوائده وأخلاقه، وقطعوا صلتهم به، لعبت المادة والشهوات بعقولهم، فراحت موجة ناتجة من الإلحاد كادت أن تعم طبقات الشعب، وأصبح الإسلام يتهم بالرجعية والتأخر، واختلط الذكور بالإناث في العمل والداسة، وفتحت مصراعيها للأفكار الهدامة والإباحية المطلقة، فتحول المجتمع إلى مجتمع غربي في عوائده ولغته وأخلاقه، وأصبحنا في كل يوم نرى تدهور الشباب نحو الرذيلة والفساد، لأنه لا يريد إلا الهوى المضلل، وإطلاق العنان لشهواته العارمة التي لا تعرف الحدود ... وترك الأخلاق الفاضلة التي كانت لأجدادهم وأسلافهم، والتي حفظت المجتمع الجزائري منذ فجر التاريخ إلى الثورة المطفرة الكبرى.

فبهذه الأخلاق الحميدة برز المجاهدون الأبرار ورأينا قانون الإسلام هو السائد على البلاد كلها ... " (21).

وفي أواخر السبعينيات ظهرت نابتة جعلت حمل السلاح طريقا ومنهجا لها في التغيير، بلا سند علمي يتوكأون عليه، فقصدوا الشيخ عمر العرباوي - رحمه الله - حتى يظفروا منه ولو بالسكوت عن أعمالهم، وما كان ذهابهم إليه إلا بعد أن أعلنوا عن عملهم المسلح وانتشر أمرهم، على مذهب: (اعمل ثم استدل)، لكن (الشيخ رفض ذلك بشدة، أما ما يشاع من أن الجماعة كانت تستفتيه في حكم ذلك، فهو لا يزيد عن كونه إشاعة، فقبل أن تشتد أحداث السلاح رفض الشيخ العرباوي بدايتها) (22).

[ثورة الروافض .. وبداية المد الشيعي]

لقد كان لفئام من أمتنا نصيب من التأثر بالثورة الإرانية الشيعية أواخر السبعينيات، فمن متعاطف معها، ومن مشيد بإسلاميتها (زعموا)، ومن متشرب لأفكارها عياذا بالله، فقد أصاب الناس آنذاك جنون وهوس بذلك المد الخبيث، وقد كان الشيخ - رحمه الله - بالمرصاد لدحض هذا الفكر الملوث بالتوجيه والتعليم من جهة، وبالتذكير بسنية هذه البلاد - بلاد الجزائر- من جهة أخرى، وبالتنويه بثورتها التي قامت بصيحات: الله أكبر ولإعلاء كلمة الإسلام الحق بعد طرد المستدمر الفرنسي الصليبي، فقد كان - رحمه الله - على دراية تامة بمروق هذا المذهب وأهله، لكن الشيخ - رحمه الله - لم يعمر طويلا إذ عاجلته المنية مع السنوات الأولى لبداية ظهور هذا المرض العقدي.

ومما يذكر عن مواقفه تلك الخطبة التي ألقاها في المسجد الكبير (المعروف حاليا بالشافعي) بالحراش حيت (إن


(20) مجلة التهذيب الإسلامي" (ع 8، ذو الحجة 1385هـ / مارس 1966م).
(21) "التخلي عن التقليد والتحلي بالأصل المفيد" (ص 8).
(22) "محطات في تاريخ الحركة الإسلامية بالجزائر" (ص 189).

<<  <   >  >>