<<  < 
مسار الصفحة الحالية:

نحو المثل العليا والكمال الإنساني، حتى قادت الأمم إلى ما تطمح إليه، من أخوة عادلة، وتعاون وثيق، ومساواة تامة، لم تتحقق بغير الإسلام، لو أن المسلمين حافظوا على أوامر الإسلام واتبعوا منهجه، أكان الاستعمار يغزوهم في عقر ديارهم، ويسخرهم لخدمته ومصالحه، وتنفذ فيهم وساوسه وحيله الشيطانية، وتراهم يصبرون على هوانه ومذلته طوال هذه الحقب بدون أن يخلعوا عن أنفسهم الأغلال والقيود، ولو أن المجتمع كان مجتمعا إسلاميا أكانت المشاكل الداخلية تقف حاجزا بينه وبين ما يصبو إليه، فلا يستطيع تحطيمها والقضاء عليها قضاء تاما؟ ولو كانت جامعة الدول العربية متمسكة بالإسلام أكانت إسرائيل (39) تغزوها وتقطع جزء نفيسا من كيانها، وتظهرها أمام العالم أجمع بمظاهر الضعف والخور!) (40).

وفي بيان ما آلت إليه أوضاع الأمة من الانتساب إلى الإسلام في الظاهر وتقليد الغرب الكافر في الواقع يقول - رحمه الله -: (يقول المسلمون اليوم فينا غيرة على الإسلام، المساجد بحمد الله قائمة بيننا والقرآن يتلى وأحاديث الدين تذاع، والتصريحات الرسمية بمحاسن الإسلام موجودة، والدساتير تنص على أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة هذه المظاهر موجودة كلها، ولكن الإسلام ليس مجرد مظاهر وكلام، إنه عقيدة ونظام وعمل وتشريع وآداب، فما مدى تفاعل حياتنا معه، وأين واقعنا الحاضر منه؟ فهناك جمهور كبير من الأمة الإسلامية بهرتهم مدنية الغرب، فنسوا العمل بالإسلام وأصبحوا يشكون في عدالته، فصاروا يعيشون بذوات غربية فلا يسمعون إلا جرسها، ولا يتعبدون إلا بفنونها ولا يؤمنون إلا بحضارتها وقانونها فلم يتصوروا أبدا أن هناك أنظمة إسلامية وقوانين وتشريعات قرآنية) (41).

وقال أيضا - رحمه الله - في كتاب "الاعتصام بالإسلام": (إذا تركت الشعوب الإسلامية الدين بعيدا عن حياتها كما هو الآن في أوطان المسلمين، ولم تجعله أساسا لشؤونها فإنها لن تستطيع أن تقوم بنهضة قوية، وعندئذ لا يقدر أي مبدأ من المبادئ المستوردة أن يوحد بينها، فتنتابها عوامل الضعف والتخاذل والتفرقة، وهذا ما وقع في الماضي، وكان السبب في سقوطها فريسة بين أيدي أعدائها ولا زال هذا التفرق إلى الآن بكل أسف) (42).

وجاءت اللحظة الفارقة ...

بعد حياة قاربت الثمانين عاما ملؤها النصح والتعليم والإرشاد والتدريس، آن لهذه السفينة أن ترسو، ولهذا الوميض أن يخبو، وأن تسلم الروح إلى خالقها وباريها، بعد ابتلاء مرير مع أدواء وأوجاع كان يجدها الشيخ عمر العرباوي - رحمه الله - في جسمه، لتفيض روحه في صبيحة يوم الأحد التاسع من ربيع الأول سنة 1405هـ / الموافق لـ 2 ديسمبر 1984م.

وفي جنازته خرجت مدينة (الحراش) زرافات ووحدانا لتشييع فقيدها بل وفقيد الأمة الإسلامية، في جنازة مشهودة حضرها الآلاف، انطلاقا من بيته في المنظر الجميل بالحراش وسيرا على الأقدام حتى مقبرة (سيدي ارزين) على الطريق الرابط ببن (الحراش وبراقي) (43).

وقد رثاه أحد محبيه بأبيات مطلعها:

بماذا أبكيك وأنت الدمع والنصر ... بماذا أرثيك وأنت اللسان والعبر

فرحم الله شيخنا الجليل، سائلين الله عز وجل أن يعلي ذكره، ويرفع قدره عنده سبحانه في جنات عدن، وأن يحشره {مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} آمين.


(39) المقصود به دولة اليهود، وإلا فإسرائيل هو يعقوب عليه الغلام.
(40) مقال بعنوان: (مشاكل العالم الإسلامي لا يحلها إلا الإسلام)، نشر في البصائر، ع: 299، الصادر في: جمادى الأولى 1374هـ/ ديسمبر 1954م.
(41) مقال بعنوان: (الإسلام دين تام)، نشر في مجلة التهذيب الإسلامي. العدد: 08، الصادر في ذي الحجة 1385هـ/ مارس 1966م ..
(42) كتاب الاعتصام بالإسلام ص: 10 ..
(43) وقد أوصى - رحمه الله - بدفنه في هذه المقبرة، وسبب ذلك أنه حضر جنازة احد معارفه، ورأى من تواضع المقبرة؛ إذ ليس فيها تشييد للقبور، وكذلك أوصى بأن لا يوضع شيء على قبره.

<<  <