للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وبعد موت الحسين بن علي صار الأمر ليحيى بن عبد الله-أخي النفس الزكيّة لأبيه-وكان ليحيى دعاة نؤجّل ذكرهم إلى موضع آخر.

يمكننا أن نستخلص مما تقدم أن الدعوة «إلى الرضا من آل البيت» [١] قد بدأت منذ زمن الأمويين على يد زيد بن علي وأنّه انتظمت تحت لوائها اتجاهات مختلفة وامتدت في أقطار الدولة الإسلامية، وأن العباسييّن الذين انضموا إلى هذه الدعوة واستفادوا منها بداية كانت لهم شبكة دعاية خاصة وانفصلوا عن هذه الدعوة وعملوا على تأسيس «ايديولوجية» خاصة بهم بعد نجاح ثورتهم على الأمويين. وأن نستخلص أيضا أنّ الفرع الحسني كانت له منذ اجتماع الأبواء دعوة خاصة بقيت تنافس «الايديولوجية» العباسيّة في خراسان وتشكل تهديدا لها وامتدت كذلك إلى مناطق وأطراف أخرى؛ وأنّ الدعوة الزيدية استفادت في البداية من دعاة المعتزلة إلى الأمصار. ولا نستطيع تبيّن مدى العلاقة بين الدعوتين ومتى انفصلتا، ولكن يمكننا بشيء من الاطمئنان أن نعتبر فشل ثورتي محمد النفس الزكيّة وأخيه إبراهيم نقطة حاسمة في افتراق الدعوتين والتغيير في سياستيهما وإن بقي التأثير الفكري والعقائدي كبيرا بينهما. وقد استمرت الدعوة الزيديّة بعد موت النفس الزكيّة ونشطت في الأمصار؛ يضاف إلى هذا أنه من الصعوبة بمكان تحديد أسماء الدعاة والأقطار التي توجهوا إليها، إذ إنّ المصادر لا تسعفنا بذلك، خاصة أن الدعوة كانت سريّة وأن المؤرخين لم يبدأوا بتدوين الأحداث إلاّ في أواخر القرن الثاني الهجري أوائل القرن الثالث (مثال الجعفري المذكور سابقا، وبكر بن صالح الرازي، والحسن بن زبالة، وعلي بن محمد النوفلي، والمدائني) وكانت الدعوة ما تزال ناشطة، فلم يكشف عن تنظيمها وأسماء دعاتها، وقد


[١] انظر ما تقدّم ص ٣٧، وما يلي ص ٩٩ - ١٠١.

<<  <   >  >>