فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[الوحي]

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخلو في غار حراء، ولا نعلم كيف كان تعبده في حراء قبل البعثة، ولا نعلم متى حبب إليه الخلاء بالغار على وجه التحديد، ولكن ذلك كان قبيل البعثة وبعد أن بدئ بالرؤيا الصادقة التي كانت تمهيداً للوحي، ولم تذكر المصادر ما هي موضوعات الرؤى، ولكنها كانت رؤى صالحة كما وصفتها الروايات الصحيحة، وكان التحنث في الغار يستغرق ليالي عديدة حتى إذا نفد الزاد عاد إلى بيته فتزود لليالي أخرى. وفي نهار يوم الإثنين من شهر رمضان جاءه جبريل بغتة لأول مرة داخل غار حراء. قالت عائشة (رضي الله عنها)؛ "فجاءه الملك فيه فقال: اقرأ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني (1). حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ. فقلت ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} حتى بلغ {مَا لَمْ يَعْلَمْ} فرجع بها ترجف بوادره (2). حتى دخل على خديجة فقال: زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال: ياخديجة مالي؟ وأخبرها الخبر. قال: قد خشيت على نفسي، فقالت له: كلا ابشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.

ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي - وهو ابن عم خديجة أخو ابيها - وكان امرءاً تنصَّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي فيكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخاً كبيراً قد عمى، فقالت له خديجة: اسمع من ابن أخيك. فقال ورقة: ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم ما رأى، فقال ورقة: هذا الناموس الذي


(1) ضمني وعصرني (فتح الباري 1/ 24).
(2) بوادره: جمع بادرة وهي لحمة بين المنكب والعنق.

<<  <  ج: ص:  >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير