<<  <  ج: ص:  >  >>

[مبادرة الصحابة إلى طاعة الله]

كانت أجيال المسلمين في القرون الأولى تقرأ القرآن وكأنه ينزل على كل واحد منهم - رجلاً كان أو امرأة - غضاً طرياً، وكانت لغة التخاطب بينهم هي الفصحى التي نزل بها القرآن وقد أعانهم ذلك على فهم الخطاب الإلهي بسهولة ويسر، كما ولَّد الأثر القوي في نفوسهم، وسرعة الاستجابة التامة لتعاليمه وأحكامه.

ولا شك أن جيل الصحابة (رضوان الله عليهم) كان أسرع استجابة وأبلغ تأثراً، وأقدر على التخلص من عادات الجاهلية وتقاليدها وأعرافها، حتى لو كانت العادة الجاهلية قد استقرت منذ قرون وصارت عُرفاً مشروعاً وتقليداً مقبولاً.

قالت عائشة رضي الله عنها: "يرحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} (1) شققن مروطَهُنَّ فاختمرن به" (2).

ومن أبلغ المواقف التي بادر فيها الصحابة إلى إعلان الطاعة مع إحساسهم بالمشقة ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال:"لمَّا نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (3) قال: فاشتدَّ ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بركوا على الركب، فقالوا: أي رسول الله كُلّفنا من الأعمال ما نطيق؛ الصلاة والجهاد والصدقة. وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها؟

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. قالوا:


(1) النور: 31.
(2) صحيح البخاري 6/ 13 مختصراً وقارن بسنن أبي داؤد 4/ 356 - 357.
(3) البقرة: 284

<<  <  ج: ص:  >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير