للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

فقال له بعض من كان في مجلسه: من هؤلاء القوم يا أبا الفيض رحمك الله؟ قال: ويحك، هؤلاء قوم جعلوا الركب لجباههم وسادا، والتراب لوجوههم (١) مهادا، هؤلاء قوم خالط القرآن لحومهم ودماءهم، فعزلهم عن الأزواج وحركهم بالأدلاج، فوضعوه على أفئدتهم فانفجرت، وضموه إلى صدورهم فانشرحت، وتصدعت هممهم به فكدحت، فجعلوه لظلمهم سراجا، ولنومهم مهادا، ولسبيلهم منهاجا، ولحجتهم ابلاجا، يفرح الناس ويحزنون، وينام الناس ويسهرون، ويفطر الناس ويصومون، ويأمن الناس ويخافون، فهم خائفون حذرون وجلون مشفقون مشمرون، يبادرون من الفوت ويستعدون للموت، إلى آخر القصة، ثم ذكر إسناده في ذلك، وقال بعده: فهذا وصفه لأولياء الله تعالى، وبهذا حلاهم، وهكذا شاهدهم ورآهم.

...

٩٦ - فصل

ثم قال: ولقد لقيت بهذه البلاد من يلبس سراويل الفتيان، ويدعي مراتب العرفان، ولا يستحي في ذلك من الرحمن، لا يعرف شروط السنن والفرائض، ولا يصلح أن يكون خديما في المراحيض، ومع هذا يا ولي، والله الصدف الذي يخفي رفيع الدر (٢) والسياج على الروضة ذات الزهر، يدخل بينهم الصادق والصديق، فيجهل العارف المتمكن فيترك ويهمل، فإنه يحمل على ما هم عليه لاشتراكهم في المسكن، وما بينه وبينهم معاملة في شيء.

قال: ولقد وقع بيدي منهم بمصر في الخانقات بالقاهرة، كهل يقرب أن يكون رجيلا لا بأس به، ففرحت به لما لم أجد غيره، تم قال:


(١) هكذا في الأصول، وفي الحلية ١/ ١٤ في ترجمة ذي النون بلفظ: (لجنوبهم مهادا) وهو الأنسب.
(٢) أي: يكون من بينهم المدعي الذي وصف حاله، والصادق المتمكن الذي يخاف الله تعالى.

<<  <   >  >>