للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الله وملائكته يُصلون (١)

على الصف الأول. قالوا: يا رسول الله وعلى الثانى. قال: إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول. قالوا: يا رسول الله وعلى الثانى؟ قال وعلى الثانى، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سَوُّوا (٢) صفوفكم، وحاذوا (٣) بين مناكبكم ولينوا (٤) في أيدى إخوانكم، وسُدُّوا الخلل (٥) فإن الشيطان يدخل فيما بينكم


(١) الله تعالى وملائكته يدعون بالغفران والرضوان لمن سبق فأدرك أول صف في المسجد، وفي الجامع الصغير: يستغفرون لأهله، فيستحب أن يتقدم الناس في الصف الأول ويستحب إتمامه، ثم الذى يليه، وأن لا يشرع في صف حتى يتم ما قبله، وهذا الحكم مستمر في صفوف الرجال، وكذا في صفوف النساء المنفردات بجماعتهن عن جماعة الرجال. أما إذا صلت النساء مع الرجال جماعة واحدة وليس بينهما حائل فأفضل صفوف النساء آخرها أهـ ص ٣٢٧ جـ ١.
فأنت ترى رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو إلى تلبية المؤمن. وإجابة الداعى فوراً حالا، والسبق ليدرك مكانا في الصف الذى يلى الإمام رجاء كثرة الثواب وإحسان الله. وهل تجد أدق نظام وأجل ترتيب من صفوف الصلاة في الجماعة، ويقول السيد الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه، وقد رأى تأخرا: (تقدموا فائتموا بى وليأتم بكم من بعدكم، لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله) رواه أبو سعيد الخدرى من رواية مسلم. وقال النووي: معنى وليأتم بكم من بعدكم: أي يقتدوا بى مستدلين على أفعالى بأفعالكم. ففيه جواز اعتماد المأموم في متابعة الإمام الذى لا يراه؛ ولا يسمعه على مبلغ عنه، أو صف قدامه يراه متابعا للإمام، وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يزال قوم يتأخرون) أي عن الصفوف الأول حتى يؤخرهم الله تعالى عن رحمته أو عظيم فضله ورفع المنزلة وعن العلم. أهـ ص ١٥٩ جـ ٤.
قال الله تعالى: (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص) ٥ من سورة الصف أي مصطفين صفوفا منتظمة مرتبة ثابتين في تراصهم من غير فرجة -. والرص: اتصال بعض البناء بالبعض واستحكامه. وهذا درس للمجاهدين في سبيل نصر دين الله يحاربون أعداء الدين، ومنه أخذ المصلون تسوية لصفوف لأنهم واقفون بين يدي الله يرجون المغفرة ويجاهدون النفس عسى أن تذل لربها، وتضخع لبارئها وتتضرع بإخلاص إلى سيدها.
(٢) اجعلوها معتدلة متساوية كالخط المستقيم المعتدل.
(٣) أي وازوا، من حذوته وحاذيته. يقال رفع يديه حذو أذنيه، وحذاء أذنيه - ومناكب جمع منكب، وهو مجتمع رأس العضد والكتف لأنه يعتمد عليه، والمعنى: قفوا متوازين متراصين حذوك الكتف بالكتف، والنعل بالنعل. كما قال صلى الله عليه وسلم (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا).
(٤) أي اتبعوا إشارة إخوانكم ورأى أصحابكم، ويكون المؤمن هيناً ليناً سهلا متواضعاً قابلا للإرشاد، وتسوية الصف - واللين ضد الخشونة، من لا، الشئ يلين ليناً، وفي حديث ابن عمر: (خياركم ألا ينكم مناكب في الصلاة) قال في النهاية: هى جمع ألين وهو بمعنى السكون والوقار والخشوع. ومنه: (يتلون كتاب الله ليناً) أي سهلا على ألسنتهم.
(٥) املأوا الفرجة، وسدوا الثغرة في صفوفكم. والخلل: الفرجة بين الشيئين، والجمع خلال، أي أقيموا الثلمة المتروكة؛ ومنه: اللهم اسدد خلته، وأصلها من التخلل بين الشيئين. ما شاء الله. قائد ماهر يحسن القيادة ويبدع الرياسة يعلم المسلمين التكاتف على الخير والتعاون على البر واتحاد القلوب قبل الأجسام، وتذليل الأخلاق، ولين الجانب، وبقاء الضمائر من المكاره والمحارم، والالتجاء إلى الرب الرقيب المطلع على السرائر =

<<  <  ج: ص:  >  >>