فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

صائما، وتكلم مالك بن سنان، وإياس بن أوس بن عيتك في معنى الخروج للقتال، فلما أبوا إلا ذلك صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجمعة بالناس، وقد وعظهم، وأمرهم بالجد والجهاد، وأخبرهم أن النصر لهم ما صبروا (1). ولقد وصف القرآن الكريم هذه الحالة النفسية العالية فقال: {ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون (2)}. من هذه الذروة في الثقة بالنصر، والجيش يمضي بمعنويات عالية، كانت المفاجأة الأولى في انسحاب ثلث الجيش عائدا إلى المدينة، ومع ذلك فلم يفت هذا الأمر في أعضاد الناس، وتسارع الصبيان للانضمام للجيش، فأعادهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، وتحقق النصر الأول كما قال القرآن الكريم كذلك، {ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه .. (3)}. واستطاع سبعمائة مقاتل أن يحققوا نصرا ساحقا على ثلاثة آلاف من المشركين: كما يقول المباركفوري عن هذا النصر: (هكذا دارت رحى الحرب الزبون، وظل الجيش الإسلامي الصغير مسيطرا على الموقف كله، حتى خارت عزائم أبطال المشركين، وأخذت صفوفهم تتبدد عن اليمين والشمال والأمام والخلف. كأن ثلاثة آلاف مشرك يواجهون ثلاثين ألف مسلم لا بضع مئات قلائل، وظهر المسلمون في أعلى صور الشجاعة واليقين.

وبعد أن بذلت قريش أقصى جهدها لسد هجوم المسلمين أحست بالعجز والخور، وانكسرت همتها - حتى لم يجترىء أحد منها أن يدنو من لوائها الذي سقط - بعد مقتل صواب - فيحمله ليدور حوله القتال، فأخذت في الانسحاب، ولجأت إلى الفرار، ونسيت ما كانت تتحدث به في نفوسها من أخذ الثأر والوتر والانتقام، وإعادة العز والمجد والوقار (4)).

وقال ابن إسحاق: (ثم أنزل الله نصره على المسلمين، وصدقهم وعده، فحسوهم بالسيوف حتى كشفوهم عن المعسكر، وكانت الهزيمة لا شك


(1) إمتاع الأسماع للمقريزي: 1/ 117.
(2) آل عمران: الآية 143.
(3) آل عمران من الآية 153.
(4) الرحيق المختوم ص 293.

<<  <  ج: ص:  >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير