للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ووصل الخبر إلى مصر، وبها نائب السلطان - وهو أخوه الملك العادل سيف الدين أبو بكر بن أيوب - فأمر الحاجب حسام الدين لؤلؤ يعمّر في بحر القلزم مراكب بالرجال البحرية، وسار إلى أيلة، فظفر بالمركب الفرنجى عندها، فأحرقه وأسر من فيه، ثم سار إلى عيذاب (١)، ودل على مراكب الفرنج، فتبعها، فوقع بها بعد أيام، وأوقع بها، وأطلق المأسورين من التجار، وردّ عليهم ما أخذ منهم، ثم صعد البر، فوجد هناك عربانا نازلين، فركب خيلهم، وسار وراء المنهزمين من الفرنج، فحصرهم في شعب لا ماء فيه، فأسرهم جميعهم، وكان ذلك في الأشهر الحرم، فساق منهم أسيرين إلى منى لينحروا بها كما ينحر الهدى، عقوبة لهم على قصد حرم الله وحرم رسوله؛ وعاد إلى القاهرة ومعه الأسرى (٢).


(١) كانت عيذاب ميناء هامة على بحر القلزم (الأحمر) ينتهى إليها طريق الحج والتجارة الذى يبدأ من قوص على النيل، وإليها تنتهى تجارات اليمن والحبشة والهند، وكان الحاج من المغاربة يؤثرون هذا الطريق على غيره ليتفادوا صعوبات الإبحار في بحر القلزم، أو أخطار الطريق البرى عبر صحراء سيناء وبلاد العرب، لأن عيذاب تقابل ثغر جدة على الشاطىء العربى، وتعبر السفينة المسافة بينهما في ليلة واحدة. وقال (على مبارك: الخطط التوفيقية، ج ١٤، ص ٥٦) أن عيذاب تقع مكان «بيرنيس القديمة»، غير أن محمد رمزى قال في تعليقاته على (النجوم الزاهرة، ج ٧، ص ٦٩، هامش ٢) أن هذا خطأ، وأن موقعها كان جنوبى رأس أبو فاطمة على خط عرض ٢٢ درجة و ٢٠ دقيقة، بقابلها من الغرب على النيل قرية أبو سنبل التي بمركز الدر الواقعة شمال بلدة وادى حلفا على بعد ٦٦ كيلو مترا منها. أنظر أيضا: (رحلة ابن جبير) و (رحلة ابن بطوطة) و (خطط المقريزى).
(٢) وزع الأسرى على المدن الكبرى ليشهروا بها ثم يقتلوا، وقد شاهد الرحالة ابن جبير عند نزوله بالاسكندرية الموكب الذى شهرقيه بعض هؤلاء الأسرى، ووصف الحادثة وصفا فيه تكملة للمعلومات الواردة هنا، قال في (الرحلة، ص ٥٨ - ٦٠): «. . . لما حللنا الاسكندرية في الشهر المؤرخ (ذو الحجة سنة ٥٧٨ هـ‍) أولا عاينا مجتمعا من الناس عظيما برزوا لمعاينة أسرى من الروم أدخلوا البلد راكبين على الجمال ووجوههم إلى أذنابها، وحولهم الطبول والأبواق، فسألنا عن قصتهم، فأخبرنا بأمر تتفطر له الأكباد إشفاقا وجزنا، وذلك أن جملة من نصارى الشام اجتمعوا وأنشأوا مراكب في أقرب المواضع التي لهم من بحر القلزم، ثم حملوا أنقاضها على جمال العرب المجاورين لهم بكراء اتفقوا معهم عليه، فلما حصلوا بساحل البحر سمروا مراكبهم، وأكلوا إنشاءها وتأليفها، ودفعوها في البحر وركبوها قاطعين بالحجاج، وانتهوا إلى بحر النعم (اليمن) فأحرقوا فيه نحو ستة عشر مركبا، وانتهوا إلى عيذاب =

<<  <  ج: ص:  >  >>