للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>

[ذكر المسند إليه]

بعد ما ذكرنا بعض صور الحذف، وأسرارها المعنوية نذكر شيئا عما يقابله وهو الذكر، وأظن أنه لا يرد علينا سؤال يقول: إذا كانت البلاغة في الحذف والإيجاز كما قلتم، فكيف تكون البلاغة في الذكر الإطالة؟ لأن من المعلوم أن للحذف أغراضه التي لا يغني الذكر غناءه فيها، وأن للذكر أغراضه التي لا يغني الحذف غناءه فيها، وأن البلاغة مراعاة المقامات والأحوال، فالذكر في موطنه بليغ مطابق، والحذف في موطنه بليغ مطابق، وقد قالوا: إن يحيى بن خالد بن برمك أمر اثنين أن يكتبا كتابًا في معنى واحد، فأطال أحدهما واختصر الآخر، فقال للمختصر وقد نظر في كتابه: ما أرى موضع مزيد وقال للمطيل: ما أرى موضع نقصان، وقال الخليل: يختص الكتاب ليحفظ ويبسط ليفهم، وقيل لأبي العلاء، هل كانت العرب تطيل؟ قال: نعم كانت تطيل ليسمع منها، وتوجز ليحفظ عنها.

على أنه لا تكون المنافاة بين الذكر، والإيجاز إلا عند النظرة السريعة الدانية، أما عند التحقيقي، فإن الذكر لا ينافي الإيجاز -وأعني ذكر ما يدل عليه المقام لو حذف؛ لأن وراء ذكر المسند إليه في هذه الحالة دافعا نفسيا، ومغزى يحرص المتكلم عليه، فالذكر يحقق قيمة معنوية في الأسلوب، وفوات هذه القيمة عيب في الكلام وإخلال بالمطابقة، وقد يكون الكلام مع الذكر مبنيا على غاية الإيجاز، فليس الذكر الذي نتكلم فيه هو ما يتمدد به الأسلوب حتى يفيض عن المعنى، فيصير التعبير فارغا في بعض جوانبه، وإنما هو الذكر الموجز البليغ، وإذا نظرت إلى قوله تعالى: {وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ} ١، رأيته كلاما في غاية التركيز مع أنه قد كرر الحق ومادة نزل، وكأنه بنى على التكرار، وكان كذلك؛ لأن وراء ذكر كلمة الحق في الجملة الثانية مغزى معنويا يفوت لو قلنا: وبه نزل، وسوف نبين ذلك في موضوعه إن شاء الله.


١ الإسراء: ١٠٥.

<<  <   >  >>