للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>

[مجئ المسند فعلا أو اسما]

...

مجيء المسند فعلا أو اسما:

لمعرفة هذه الأغراض يلزمنا أن نعرف الفرق الدقيق بين دلالة صيغة الفعل على معنى، ودلالة صيغة الاسم على نفس المعنى، أي بين أن تعبر عن الانطلاق بقولك: منطلق، وبين أن تعبر عنه بقولك: ينطلق وقد قالوا: إنك إذا قلت: منطلق فقد أفدت انطلاقًا ثابتًا، وإذا قلت: ينطلق فقد أفدت انطلاقا يتجدد، فصيغة الاسم تدل على الثبوت من غير إفادة التجدد، وصيغة الفعل تدل على الحدوث والتجدد، فقولك: زيد منطلق كقولك:

زيد طويل من حيث دلالته على أنه طويل من غير أن يشعر بتجدد الطول وحدوثه، وقولك: زيد ينطلق كقولك: زيد يطول من حيث دلالته على حدوث الانطلاق وتجدده، وهذا إنما يصح إذا كان زيد غلامًا لم يستقر طوله.

ويظهر هذا واضحا في قولك: هذا الشيء أبيض، وقولك: هذا الشيء يبيض، فقولك: أبيض يفيد أن صفة البياض ثابتة لا تحدث فيه، ولا تتجدد كاللبن مثلا، وقولك: يبيض يفيد أنه يتحول إلى البياض شيئا، فشيئا فبياضه يحدث ويتجدد.

وإذا تقرر هذا ظهر أنه لا يصح وضع أحدهما موضع الآخر، فلكل منهما سياق يقتضيه، وصورة من المعنى لا يدل عليها غيره.

انظر إلى قول النضر بن جؤبة: "من البسيط"

لا يألف الدرهم المضروب صرتنا ... لكن يمر عليها وهو منطلق

الشاعر يذكر قومه بالسخاء، وأنهم لا يبقون من المال بقية، فصرتهم لا تألف الدرهم، وقوله: وهو منطلق جاء بصيغة الاسم؛ لأنه يريد أن يثبت للدرهم صفة الانطلاق من غير إشعار بتجدد، وحدوث حتى يؤكد أنا الدرهم لا يتوقف توفقا ما عند الصرة ينقطع به انطلاقه ليتجدد بعد ذلك، وإنما هو منطلق انطلاقا ثابتا مستمرا، ولو قال: يمر عليها وهو ينطلق، لكان المعنى أن انطلاقه يتجدد، وهذا يعني أنهم يمسكونه زمانا ما كما قلنا.

قال عبد القاهر معلقا على هذا البيت: "هذا هو الحسن اللائق بالمعنى، ولو قلته بالفعل: لكن يمر عليها وهو ينطلق، لم يحسن".

قوله تعالى: {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ} ١، يفيد أن الكلب على هيئة وصفة ثابتة هي بسط الذراعين بالباب، كما تقول: هو طويل،


١ الكهف: ١٨.

<<  <   >  >>