للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

واسمها مشتقّ من الأنس، فهو اسم طابق مسمّاه، وهي وان أصابها من نوائب الدّهر من الهرج والمرج ما أصاب غيرها إلا أنها بفضل الله تنقضي فتنتها في أقرب حين، وترجع إلى أحسن ممّا كانت عليه من الوثاقة والتمكين. وأما مراكب التّجارة من جميع الأقطار من بر الإسلام وجميع بلاد النصارى فأمر معلوم مشهور، وأما حسن البناء ونزهات الطرقات، ونظافة الثياب، وجمال الصّورة ذكرانا وإناثا، وحسن الأصوات، ونجابة الخيل المسوّمة، فهي بذلك مشهورة، وكذا أنواع الطيب فهو بها تجارة (٩٩) واستعمالا أكثر ممّا بغيرها، ولا سيّما عطر الورد الذي لا نظير له في معمور الأرض، وأكثر عمل أهلها عمل القلانس المسمّاة بالطاقية (١٠٠)، فهو شيء فاقوا به على أهل الأرض قاطبة حسنا وإتقانا، فكم حاول أهل المغرب وأنواع النصارى قريبا منه فما قدروا (١٠١)، ومنها يحمل ما يعمّ أقطار الدنيا. فإن ملوك الأرض لا يلبسون إلا منها (١٠٢)، ولهم فيها (١٠٣) حذق زائد وافتخار بين صناعها، وإن أحدهم يخدم فيها باتقان، وحسن صنع وصبغ، ولو تعيّن عليه الخسران (١٠٤) خوفا من سقوط اسمه، ولا يخرج صنعه إلا وعليه ختمه وعليهم (أمناء) (١٠٥) يرجع إليهم فيما يختلفون فيه من ضرورات الصنعة.

وأما العلوم من معقول ومنقول ولا سيّما فقه الإمام مالك - رضي الله تعالى عنه - وكذا المنطق والكلام، والعلوم الأدبية العربية، فحدث عن البحر (١٠٦)، وهي وإن


(٩٩) في ت: «تجارة عظيمة».
(١٠٠) الشاشية، وبالعامية «كبوس» وهو تحريف لكلبوش، وكانت هذه اللفظة رائجة إذ ذاك بجانب لفظة طاقية، حسب ما ترشدنا إليه وثائق الحكومة التونسية ووثائق متحف صفاقس للفنون والتقاليد الشعبية، وفي مصر تعني الطاقية غطاء للرأس من القطن، وتنعت الطاقية التونسية بالطربوش المغربي.
(١٠١) يشير إلى محاولة جنوب فرنسا في صناعة الشاشيّة، هاته المحاولة التي أريد بها منافسة صناعة الشاشية التونسية والحدّ من رواج منتوجاتها في بلدان شرق البحر الأبيض المتوسط، عن هذه المحاولة، أنظر على سبيل المثال ماسون (La Provence au XVIIIe siecle, P. Masson) باريس ١٩٦٦.
ولوسيت فلانسي (L .Valensi) الإسلام والرأس مالية (Islam et capitalisme .Revue d' histoire moderne et contem poraine) ج.١٦، ١٩٦٩، ص: ٣٧٦ - ٤٠٠.
وروني دوزي (R. Dozy, Supplement aux dictionnaires arabes, ٢/ ٧١)
(١٠٢) مبالغة.
(١٠٣) ساقطة من ش.
(١٠٤) في ش وط: «خسر».
(١٠٥) ساقطة من ش وت. ج. أمين، وأمناء الشواشين بتونس كانوا أهم الأمناء وأقواهم سلطة لأهمية صناعة الشاشية إذ ذاك.
(١٠٦) كان جامع الزيتونة يقوم بدور أساسي في نشر العلم والمعرفة، والمؤلف يشير إلى النهضة العلمية والتعليمية التي عرفتها تونس خلال القرن الثامن عشر.