للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

كان من هذا الجبل، وإنما بناؤها من الطّوب والطّين والطّوابي المقامة من التّراب، وماؤها الذي تسقى به البساتين مستخرج بصنعة هندسية حسنة من استخراج عبيد الله بن يونس المهندس، وذلك أن ماؤهم ليس ببعيد الغور، يوجد إذا احتفر قريبا من وجه الأرض، فجاء عبيد الله المذكور إلى مرّاكش في أول بنائها وليس بها إلا بستان واحد لأبي الفضل مولى أمير المسلمين المقدم الذكر، فقصد إلى أعلى الأرض ممّا يلي البستان فاحتفر فيه بئرا مربّعة كبيرة التربيع، ثم احتفر منها ساقية متّصلة الحفر على وجه الأرض وهو يحفر بتدريج من أرفع إلى أخفض متدرّجا إلى أسفله بميزان إلى أن وصل الماء إلى البستان وهو ينسكب مع (١٠٦) وجه الأرض يصبّ فيه، فهو دائم مع الأيام لا يفتر. وإذا نظر النّاظر إلى سطح الأرض لم ير بها كبير ارتفاع يوجب خروج الماء من قعرها إلى وجهها، وإنما يدرك ذلك من علم وزن الأرض، فاستحسن ذلك أمير المسلمين من فعل المهندس المذكور وأحسن إليه بأموال وأثواب، وأكرم مثواه مدة مقامه عنده، فلما نظر الناس ذلك استخرجوا مياها، وأنشؤوا البساتين الكثيرة والجنّات، واتّصلت بذلك عمارات مراكش وحسن منظرها.

ومدينة مرّاكش في وقت بنائها من أكبر مدن المغرب الأقصى، وكانت دار ملك لمتونة ومدار ملكهم، وبها عدة قصور لكثير من الأمراء والقوّاد وخدّام الدّولة، وأزقّتها واسعة ورحابها فسيحة، ومبانيها سامية، وأسواقها مختلفة (١٠٧) جدا، وسلعها نافقة، وبنى جامعها يوسف بانيها وأميرها، فلما تغلبت عليها المصاميد وتملّكوها - حسبما يأتي إن شاء الله تعالى - تركوا ذلك المسجد (١٠٨) عطلا مغلق الأبواب، ولا يقيمون فيه صلاة، وبنوا لأنفسهم مسجدا جامعا يصلّون فيه (١٠٩). وشرب أهل مراكش من الآبار ومياهها كلها عذبة وآبارها قريبة معينة. وكان علي بن يوسف قد جلب إليها عينا بينها وبين المدينة عدة أميال، ولم يستتم ذلك فأتمّه المصامدة فأدخلوا الماء إلى المدينة وجعلوا منه سقايات بقرب دار الحجر وهي الحضيرة التي فيها القصر منفردا متحيّزا بذاته خارج عن المدينة (١١٠).


(١٠٦) في الأصول: «ينسكب على» والمثبت من ن. م. ص: ٦٨.
(١٠٧) في ط: «محتفلة».
(١٠٨) في نزهة المشتاق: «الجامع».
(١٠٩) بعدها: أسقط المؤلف ما يتعلق بسلوك المصامدة في هذا الجامع، راجع نزهة المشتاق ص: ٦٨.
(١١٠) عن مدينة مراكش راجع النص الكامل للادريسي ص: ٦٨ - ٦٩.