للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

كبر سنّه، وتفقّه على الشّيخ الفراتي وأضرابه من فقهاء بلده، فلازم على الشّيخ الفراتي قراءة مختصر الشّيخ خليل سبع عشرة ختمة فتمكّن من الفقه، وغلب عليه الجذب، فأقبل على تعليم القرآن العظيم، وسنّة النبيء الكريم، وكانت تأتيه البوادي، يتعلّمون منه ويتوبون على يديه.

ونظم المختصر وألفية في النّحو قال فيها: فائقة ألفية السيوطي لكونها وافرة الشروط، إلاّ أنّ وزن نظمها غير محرّر، فلذا تركت تأليفه.

وكان يفرّ من تولية المناصب والأحكام جهده، فأنزل فيه أهل البلد أمرا من السّلطنة على أن يحضر مع الفقهاء مجلس يوم الخميس لفصل ما يصعب من نوادر الوقائع على عادة فقهاء البلد، فكان يحضر ويشدّد في الأحكام ويعارض القضاة والفقهاء بحسب إجتهاده نصرة للحقّ، فتأذّوا منه فأتوا بأمر من الحضرة بتونس على منعه من الحضور، فكان بعدها يقول: نعم البلد، ونعم السّور، ونعم النّاس لولا ما فيها من المداهنة، ويقول لشيخه الفراتي: يا سيدي كنت مجاب الدعوة ونستقي بك الغمام، فمنذ تولّيت الأحكام (٥٠) / زال ذلك السّرّ منك. وترك الجمعة فترك الفقهاء وما هم فيه، وأقبل على التّعليم رافضا للدّنيا (٥١) وأبنائها وأمرائها.

وكان صلبا في الدّين لا تأخذه في الله لومة لائم، وكانت يده مباركة في شفاء المرضى كتابة ورقيا، مستجاب الدّعوة حتّى نزول المطر وقت القحط والشدّة، جاءه بعض البوادي بثلاثة أحمال زكاة حبوبه (٥٢)، فردّه وقال: لا آكل أوساخ الخلق هو يرزقني من حيث لا أحتسب، فمن ثمّ تقلّل من الدّنيا واقتصر على أدنى القوت.

وخرج ذات يوم لخدمة جنانه الذي يقتات منه فلقيه بعض تلاميذه من الأعراب وهو يبيع جلبا من الغنم فقال: إلى أين يا سيدي؟ قال: إلى الجنان، فقال: أتعبت (٥٣) نفسك في شيء قليل الجدوى، فقال الشّيخ: وأنت ما تصنع هنا؟ قال: أبيع جلبا أنتفع بمكسبه، قال له: تخسر فيه مائة ريال من رأس مالك، فكان كذلك.

قيل كان يقري الأنس والجن، توفي - رحمه الله - سنة نيف وأربعين ومائة


(٥٠) الشّيخ عبد العزيز الفراتي تولّى الفتوى ولم يتولّ القضاء كما مرّ قريبا.
(٥١) في ط: «رافض الدنيا».
(٥٢) في ط: «حبوب».
(٥٣) في ط: «الفت».