للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ونبصر البيئة الطبيعيّة للرسالة والرسول - صلى الله عليه وسلم - هي الجزيرة العربيّة بوجه عام (١)، سماؤها، وأرضها، شمالها وجنوبها، جبالها ووديانها، نجودها وتهائمها، وبوجه خاص شمال تلك الجزيرة المعروف بأرض الحجاز، وبوجه أخص (مكة المكرمة) من أرض الحجاز!

والتاريخ الطبيعي عرف للجزيرة العربيّة في جملتها خصائص شاملة تشترك فيها جميع أجزائها .. وعرف بعد ذلك خصائص فَصلَت الجنوب عن الشمال .. كما عرف خصائص امتازت بها أرض الحجاز، وخصائص امتازت بها (مكة المكرمة) في موقعها من أرض الحجاز!

عاصرت تلك الخصائص الجزيرة العربيّة مفرّقة بين شمالها وجنوبها آماداً طويلةً، وأحقاباً متعدّدةً، تدخل مع التاريخ في أعماقه البعيدة، حتى تقف معه عند مجاهد العصور التي لم تتبيّن له معالمها, ولم تزل تمخّضها الحوادث، وتدافعها الأحداث، وتمرّ مع الزمن في أطوار طبيعية، حتى تبلورت إلى صورة واحدة مشت بالجنوب إلى الشمال، فمزجته به في خصائصه، حتى صار كأنه هو، جدباً وشظف عيش، وقسوة طبيعيّة، وجفوةَ حياة، وعبوس جو، ولفح سموم، وكثرة تقلّبات، وقلق إقامة، وتطلعاً إلى السماء، رجاء غيث، وتوثّباً في أرجاء الأرض، طلباً لمرعى أو قطرة ماء!

وهي بعد ذلك بيئةٌ تَدَّرِعُ الليل، وتأنس بالوحش، وتستضيء بالنجوم، وتطرب لصوت الرعد، يكتنفها فضاء لا نهاية له، وتظلّها سماء لا تستقر على حال، تصفو مرّة فتلمحُ بالليل نجومها، وتَضْحى بالنهار شمسها، وتَغيم مرّة فيسودّ أديمها، وتتوارى كواكبها، وتحتجب شمسها، ويكفهرّ أفقها، ويتجهّم


(١) محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ١: ٤٠ وما بعدها بتصرف.

<<  <  ج: ص:  >  >>