للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فقال: احفر المضنونة (١)، قال: قلت: وما المضنونة؟ قال: ثم ذهب عني. فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي، فنمت فيه، فجاءني فقال: احفر زمزم. قال: قلت: وما زمزم؟ قال: لا تنزف (٢) أبدًا، ولا تُذَم (٣)، تسقي الحجيج الأعظم، وهي بين الفرث (٤) والدم، عند نقرة الغراب الأعصم (٥)، عند قرية النمل (٦)!

قال ابن إسحاق: فلما بُيّن له شأنها، ودُلّ على موضعها، وعرف أنه قد صُدِق، غدا بمعوله، ومعه ابنه الحارث بن عبد المطلب، ليس له يومئذ ولد غيره، فحفر فيها، فلما بدا لـ (عبد المطلب) الطّي (٧)، كبّر، فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته، فقاموا إليه فقالوا: يا (عبد المطلب)، إنها بئر أبينا إسماعيل، وإن لنا فيها حقاً، فأشركنا معك فيها، قال: ما أنا بفاعل، إن هذا الأمر قد خُصِصْتُ به دونكم، وأُعطيته من بينكم، فقالوا له: فأنصفنا فإنا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها، قال: فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم، أحاكمكم إليه، قالوا: كاهنة بني سعد هُذَيم، قال: نعم. قال: وكانت بأشراف الشام (٨)، فركب (عبد المطلب) ومعه نفر من بني (عبد مناف)، وركب من


(١) المضنونة: أي الغالية النفيسة التي يضنّ بمثلها.
(٢) لا تنزف: أي لا يفرغ ماؤها, ولا يلحق قعرها.
(٣) ولا تذم: أي لا توجد قليلة الماء، تقول: أذممت البئر: إذا وجدتها ذَميّة، وهي القليلة الماء.
(٤) الفرث: ما يكون في كرش ذي الكرش.
(٥) الغراب الأعصم: الذي في ساقه بياض، وهو ضرب من الغربان، والأعصم أيضاً: الوعل في غير هذا الموضع، قيل سمي بذلك لبياض في ذراعيه، وقيل لاعتصامه في الجبال.
(٦) قرية النمل: الموضع الذي يجتمع فيه النمل.
(٧) الطيّ: يعني طيّ البئر.
(٨) المراد: ما ارتفع من أرض الشام.

<<  <  ج: ص:  >  >>