للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المصالح، وأنه ليس بين الأعمال وبين ما جعل الله جزاء لها مناسبة، وهذا ظن فاسد تكذبه السنة وإجماع القرون المشهود لها بالخير" (١).

ولا يمنع هذا من أن الله تعالى قد يأمر بفعل أو ينهى عنه لغاية متعلقة بذات الأمر أو النهي لا لخصيصة قائمة في المأمور به أو المنهي عنه، كأن يتعبد عباده بالامتثال ويقيم عليهم الحجة بالاختيار، وإلا لِمَ أمر الله الخليل بأن يذبح ولده إسماعيل؟!

قال تعالى: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ} [الصافات: ١٠٣ - ١٠٦].

وقد يأمر الشارع الحكيم وينهى لإظهار عبوديته في الخلق وطلب تعظيمه بالاستجابة والطاعة، وإفراده بالتأليه، كما يكون في العبادات المقدَّرة والمؤقتة، والتي لا سبيل لأن يدرك العقل فيها علة لخصوص التقدير أو التأقيت، غير القيام بواجب العبودية لله تعالى، ومن ذلك: تحديد أوقات وعدد ركعات الصلوات ومقادير الزكوات، وأوقات الصيام، ونحو ذلك.

ويذهب القرافي -رحمه الله- (٢) إلى أن مثل هذه العبادات المحضة تعلل أيضًا بمصالح العباد، فيقول: "تخصيص صاحب الشرع بعض الأوقات بأفعال معينة دون بقية الأوقات يقتضي اختصاص ذلك الوقت المعين بمصلحة لا توجد في غير ذلك الوقت، ولولا ذلك


= في تلك الديار، وله مصنفات كثيرة، منها: حجة الله البالغة، والإنصاف في مسائل الخلاف، وعقد الجيد في أحكام الاجتهاد والتقليد، ولد سنة ١١١٠ هـ، وتوفي ١١٧٦ هـ. أكبر العلوم، (ص ٩١٢)، والأعلام للزركلي، (١/ ١٤٩)، معجم المؤلفين، لعمر رضا كحالة، (١/ ٢٧٢).
(١) حجة الله البالغة، لشاه ولي الله أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي، تحقيق: السيد سابق، دار الجيل، بيروت، ط ١، ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م، (١/ ٢٧).
(٢) أبو العباس، شهاب الدين، أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي المالكي القاهري، الفقيه الأصولي المتكلم النحوي، صاحب المؤلفات التي سارت بها الركبان وتداولها العلماء، منها: الذخيرة، والفروق، والقواعد، والتنقيح في أصول الفقه توفي سنة ٦٨٤ هـ. شجرة النور الزكية، لمحمد بن محمد مخلوف، (ص ١٨٨)، والأعلام، للزركلي، (١/ ٩٤).

<<  <  ج: ص:  >  >>