للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أولهما: ما استوى طرفاه، وهو ما خير فيه بين الفعل والترك، وهذا الإطلاق هو الأصل، والمباح بهذا الإطلاق قسيم للواجب، والمندوب، والمكروه، والحرام.

والإطلاق الثاني: ما رفع فيه الحرج، وهو بهذا الإطلاق يعم الواجب، والمندوب، والمكروه، والمباح، ويسمى بالحلال، فهو قسيم للحرام، كما قال تعالى: {فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا} [يونس: ٥٩] (١).

فحكم العمل بالضرورة التي تبيح المحظور هو الإباحة على معنى رفع الحرج والإثم، فلا إثم على مضطر باتفاق إذا اتقى الله تعالى في تقدير الضرورة بقدرها وزمنها.

وقد قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: ١٦].

وإذا كان الأمر كذلك فإن الإباحة بمعنى رفع الحرج قد يكون معها من الضرورات ما يقتضي إيجاب الفعل أو إيجاب الترك أو الإباحة على معنى رفع الإثم مع بقاء المحظور المرتَكَبِ على حكمه الأصلي، وهو الحرمة المؤبدة.

فمثال الضرورة التي يجب فعلها: أكل الميتة لمن أشرف على الموت، ولا يجد ما يدفع به عن نفسه.

فهو رخصة من جهة رفع الحرج، عزيمة من جهة الإبقاء على حياته التي أُمر بحفظها وعدم إتلافها.

قال ابن قدامة: "يسمى رخصة من حيث إن فيه سعة؛ إذ لم يكلفه الله تعالى إهلاك نفسه، ولكون سبب التحريم موجودًا، وهو خبث المحل ونجاسته، ويجوز أن يسمى عزيمة من حيث وجوب العقاب بتركه، فهو من قبيل الجهتين" (٢).

فلو امتنع عن الأخذ بحكم الضرورة كان آثمًا.


(١) شرح الكوكب المنير، لابن النجار، (١/ ٤٢٧).
(٢) روضة الناظر، لابن قدامة، (ص ٦٠ - ٦١).

<<  <  ج: ص:  >  >>