للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

أما المفتي في باب خاص من العلم، نحو علم المناسك, أو علم الفرائض، فلا يشترط فيه جميع ذلك، ومن الجائز أن ينال الإنسان منصب الفتوى والاجتهاد في بعض الأبواب دون بعض، فمن عرف القياس وطرقه وليس عالماً بالحديث، فله أن يفتي في مسائل قياسية يعلم أنّه لا تعلق لها بالحديث، ومن عرف أصول المواريث وأحكامها جاز له أن يفتي فيها، وإن لم يكن عارفا بأحاديث النكاح, ولا يجوز له أن يفتي في غير ذلك من أبواب الفقه. وقد قطع بجواز هذا جماعة من أهل العلم المحققين (١).

وبالتأمل في أحوال المفتين عبر التاريخ نجد أنّ شروط الاجتهاد التي نص عليها الأصوليون لم تتوفر إلا في القليل، ولذا كان القول بأنّ كل من عَلِم باباً جاز له أن يفتي فيه هو المتعين, وبه يندفع الحرج عن الأمة.

يقول ابن دقيق العيد: «توقيف الفتيا على حصول المجتهد-أي المطلق- يفضي إلى حرج عظيم» (٢).

وعليه فإن الناظر في النازلة إذا ملك آلة النظر والاجتهاد في مسألة جاز له أن يجتهد ويفتي فيها، فقد يكون الشخص أهلاً للإفتاء في مسائل معينة، وليس أهلاً للإفتاء في مسائل أخرى، أو للإفتاء العام.


(١) انظر: النووي، يحيى بن شرف أبو زكريا، آداب الفتوى والمفتي والمستفتي، تحقيق: بسام عبد الوهاب الجابي، (دمشق: دار الفكر، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ) ص ٢٤.
(٢) انظر: الشوكاني، محمد بن علي، إرشاد الفحول إلى تحقيق علم الأصول، تحقيق: أبي مصعب محمد سعيد البدري (بيروت: دار الفكر، الأولى، ١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م) ج ١، ص ٤٥٠.

<<  <   >  >>