للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوَفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه» (١).

فالمخلوق لا يقصد منفعتك بالقصد الأول، بل إنما يقصد انتفاعه بك،

والرب تعالى إنما يريد نفعك لا انتفاعه بك، وذلك منفعة محضة لك، خالصة من المضرة، بخلاف إرادة المخلوق نفعك، فإنه قد تكون فيه مضرة عليك، ولو بتحمُّل مِنّته.

فتدبر هذا، فإن ملاحظته تمنعك أن ترجو المخلوق، أو تعامله دون الله، أو تطلب منه نفعًا أو دفعًا، أو تُعلِّق قلبك به؛ فإنه إنما يريد انتفاعه بك لا محض نفعك. وهذا حال الخلق كلهم بعضهم مع بعض، وهو حال الولد مع والده، والزوج مع زوجته، والمملوك مع سيده، والشريك مع شريكه، فالسعيد من عاملهم لله تعالى لا لهم، وأحسن إليهم لله، وخاف الله فيهم، ولم يَخَفْهُم مع الله، ورجا الله بالإحسان إليهم، ولم يَرْجُهُم مع الله، وأحبهم لحب الله، ولم يحبهم مع الله، كما قال أولياء الله: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} [الإنسان: ٩].

الوجه التاسع: أن العبد لا يعلم مصلحتك حتى يُعرِّفه الله تعالى إياها، ولا يقدر على تحصيلها لك حتى يُقدِره الله عليها، ولا يريد ذلك حتى يخلق الله فيه إرادة ومشيئة، [١٣ أ] فعاد الأمر كله لمن ابتدأ منه؛ وهو الذى بيده


(١) أخرجه مسلم (٢٥٧٧) عن أبي ذر. ولشيخ الإسلام ابن تيمية شرح عليه مطبوع ضمن مجموع الفتاوى (١٨/ ١٣٦ ـ ٢٠٩). وقبله في مجموعة الرسائل المنيرية (٣/ ٢٠٥ ــ ٢٤٦).