للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فأقسم سبحانه بالدهر ــ الذي هو زمن الأعمال الرابحة والخاسرة ــ على أن كل أحد في خُسر؛ إلا من كمّل قُوَّته العلمية بالإيمان بالله، وقوَّته العملية بالعمل بطاعته، فهذا كماله في نفسه، ثم كمّل غيره بوصيته له بذلك، وأمْرِهِ إياه به، وبملاك ذلك وهو الصبر، فكمُل في نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح، وكمّل غيره بتعليمه إياه ذلك، ووصيته له بالصبر عليه، ولهذا قال الشافعي: «لو فكر الناس في سورة {وَالْعَصْرِ} لكفتهم» (١).

وهذا المعنى في القرآن في مواضع كثيرة، يخبر سبحانه أن أهل السعادة هم الذين عرفوا الحق واتبعوه، وأن أهل الشقاوة هم الذين جهلوا الحق وضلوا عنه، أو خالفوه واتبعوا غيره.

وينبغي أن يُعرف أن هاتين القوَّتين لا تتعطلان من القلب، بل إن استعمل قوّته العلمية في معرفة الحق وإدراكه؛ وإلا استعملها بمعرفة ما يليق به ويناسبه من الباطل، وإن استعمل قوته الإرادية العملية في العمل به؛ وإلا استعملها في ضده، فالإنسان حارث هَمّام بالطبع، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أصدق الأسماء حارث وهمّام» (٢)، فالحارث: الكاسب العامل، والهمّام:


(١) انظر: تفسير ابن كثير (٨/ ٣٨٥٢).
(٢) رواه أحمد (٤/ ٣٤٥)، والبخاري في الأدب المفرد (٨١٤)، وأبو داود (٤٩٥٠) من حديث أبي وهب الجُشَمي رضي الله عنه، وحسَّنه ابن عبد البر في الاستغناء (١/ ٣٥٣)، وصححه ابن تيمية كما في المجموع (٧/ ٤٣)، وابن القيم في الزاد (٢/ ٣٠٥)، وهو في السلسلة الصحيحة (١٠٤٠). وفي الباب عن ابن مسعود وأبي سبرة وأبي هريرة وابن عمر ومعاوية وعبد الله بن جراد والحسن بن جابر وعبد الله بن عامر مرسلًا رضي الله عنهم.