فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

كان فاضلًا، كبيرَ الشَّأن، عظيم القَدْر، ناب عن أبيه في الوزارة مُدَّة، ولما توفي الوزير أُخذ وحُبس في دار الخليفة، فَغُفِلَ عنه، فهرب إلى الجانب الغَرْبي من بغداد، وواعد بدويًّا كان صديقًا لأبيه أن يهرب به، فقال: ادخل جامع بلهيقا حتى أتجهَّز وآتيك. وجاء إلى أُستاذ الدَّار فأخبره بخبره، فبعث وأخذه، وضُرِبَ ضَرْبًا مُبَرِّحًا، وأُلقي في مطمورة، [قال جدي في "المنتظم": فحدثني] (1) بعض الأتراك، وكان محبوسًا عندهم، أنهم صاحوا من فوق المطمورة: أين ابن الوزير؟ ودلُّوا له حبلًا، فتعلَّق به، وصَعِدَ، فمدُّوه، وجلس واحدٌ على رأسه، وآخر على رِجْليه، وخُنِقَ بحبلٍ، وأُخرج من دار الخليفة ميتًا، [وأما أخوه شرف الدين ظفر، فإنَّه أخرج من دار الخليفة ميتًا في صفر سنة اثنتين وستين وخمس مئة، فحمل إلى أبيه، فدفن عنده، وكانا من أجلاء الناس وأكابرهم] (1).

[السنة الثانية والستون وخمس مئة]

فيها تزوَّج المستنجد بابنة عمه أبي نصر بن المستظهر، ودَخَلَ بها في رجب ليلة الدعوة التي كان يعملها كل سنة للصُّوفية وغيرهم، وغنَّى المغني [في هذه الليلة] (1): [من الطويل]

يقول رجالُ الحيِّ تطمعُ أن ترى ... محاسنَ ليلى مُتْ بداء المطامعِ

وكيف ترى ليلى بعينٍ ترى بها ... سواها وما طَهَّرْتَها بالمدامعِ

وتلتذُّ منها بالحديثِ وقد جرى ... حديثُ سواها في خروقِ المسامعِ

وكان مع الصُّوفية رجل من أهل أصبهان، فقام قائمًا، وجعل يقول للمغني: أي خواجا جي كفت. والمغني يعيد الأبيات، فصاح، ووقع ميتًا، فصار ذلك الفرح مأتمًا، وبكى الخليفة والصُّوفية، ولا زالوا يتراقصون حوله إلى الصَّباح، وحملوه إلى الشُّونِيزيّة، فدفنوه بها.

وفيها حشد شملة التركماني، وجاء ومعه صبيٌّ من أولاد السَّلْجوقية ليحاصر بغداد، فنزل البنْدَنيجين، وبعث الخليفةُ إليه العساكر، فنزلوا مقابله وبينهم النهر، فبعث


(1) ما بين حاصرتين من (م) و (ش).

<<  <  ج: ص:  >  >>