للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وقال الجزري في "تاريخ المَوْصل": قد طالعتُ تواريخ الملوك المتقدمين [من] قبل الإسلام وإلى يومنا [هذاي (١)، فلم أَرَ فيها بعد الخلفاء الرَّاشدين وعمر بن عبد العزيز ملكًا أحسنَ سيرةً من نور الدِّين، ولا أكثر تحرِّيًا للعَدْل والإنصاف منه (٢)، ثم ذكر [من] (١) عدله وزُهْده وفَضْله وجهاده واجتهاده من جنس ما ذكر [الحافظ] (١) ابن عساكر، قال: وكان لا يأكل ولا يَلْبَس ولا يتصرَّف فيما يخصُّه إلا من مِلْكٍ اشتراه من سهمه من غنائم الكُفَّار، وكان يحضر الفقهاء، ويستفتيهم فيما يحلُّ له من تناول الأموال، فأفتوه من جهات عيَّنوها، فلم يتعدَّها إلى غيرها، ولم يَلْبَس حريرًا قطُّ ولا ذهبًا ولا فضَّة، ومنع من بيع الخمرة في بلاده، وكان يحدُّ شاربها، والنَّاس عنده سواء في ذلك.

وكان كثيرَ الصِّيام، وله أوراد في اللَّيل والنَّهار، فكان يقدِّم أشغال المسلمين عليها ثم يتمّم أوراده، وكان تزوج الخاتون بنت معين الدِّين أُنَر، فطلبتْ منه زيادةَ نفقة فغَضب، وقال: قد فرضتُ لها ما يكفيها، والله [لا] (١) أخوض جهنَّم بسببها، وهذه الأموال ليست لي إنما هي للمُسْلمين، وأنا خازنُهم، فلا أخونهم فيها، ولي بحمص ثلاث دكاكين اشتريتها من الغنائم، قد وهبتها لها، وكان يحصل منها قدر يسير.

قال: وكان يلعب بالكرة (٣) كثيرًا، فكتبَ إليه بعضُ الصَّالحين يُنكر عليه ويقول: إنَّك تُتْعب الخيل في غير فائدة، فكتب إليه [نور الدين] (١) بخطه: والله ما أقصد اللعب، وإنما نحن [في] (١) ثغر، والعدوُّ منا قريب، فربما وقع صوت فتكون الخيل قد أَدْمنت على سُرْعة الانعطاف بالكَرِّ والفرِّ، فإذا طلبنا العدو أدركناه، ولو تركناها بحالها لصارت جَمَامًا لا ينتفع بها، فنيَّتي في لعب الكرة هذا (١).

وأُهديت له عِمامة مُذْهبة من مِصْر، فوهبها لشيخ الصُّوفية أبي الفتح [بن] (١) حمُّويه، فبعث بها إلى العجم، فبيعت بألف دينار (١).


(١) ما بين حاصرتين من (م) و (ش).
(٢) "الباهر" لابن الأثير: ١٦٣ - ١٦٥.
(٣) هي لعبة الجوكان، وهي تشبه في وقتنا لعبة الغولف.