للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

طَوَسُوس، فتحصَّن منهم ابن ليون بقلاعه لأنه أرمني وهم فرنج، فأراد الملك أن يسبح في نهر طَرَسُوس، وكان ماؤه باردًا، فنهوه وقالوا: لا تفعل، فأنت متعوب، فقال: لا بُدَّ. فسبح فيه، فأخذته الحُمَّى، فأقاموا على النهر بسببه، فأوصى إلى ولده الذي كان في صحبته، ومات، فسلقوه في خل، وجعلوا عظامه في كيس ليدفنوها في القُدْس، ولما مات اختلفوا على ولده لأنه كان له آخر أكبر منه، وكانوا يميلون إليه، فتأخَّر عنه أكثرهم، ودخل أنطاكية في جيش قليل، وسأل الإبرنس أن يخلِيَ له القلعة ليضع أمواله وأثقاله فيها، [وكان في الإبرنس خبرة] (١)، فأجابه إلى ذلك ظنًّا منه أنه لا يتفق عوده إليها، وكان كما ظن ما عاد، وأخذ البرنس الجميع، ثم ساروا إلى طرابُلُس، وجعل أهلُ الجبالِ يقتلونهم غِيلَةً وينهبونهم، فما وصلوا طرابُلُس إلا في نفرٍ يسير، فأقاموا أيامًا، وساروا إلى عكا، فلقيهم الفرنج، واستبشروا بهم، ووصل رسول صاحب القُسْطنطينية يعتذر إلى السُّلْطان عن الروم، وكان صديقَ السُّلْطان، [وأنه خطب للخليفة والسلطان بالقسطنطينية.

وانقطعت أخبار عكا عن السلطان،] (١)، فندب أقوامًا للسّباحة، وأعطاهم المال في أوساطهم، والطيور في أعبابهم، فترد الأخبار، ثم احترز الفرنج بعد ذلك بشِباكٍ نصبوها في الميناء، فإذا جاء سابحٌ وقع فيها، فامتنع الناس، وبعث قراقوش يشكو قِلَّة الميرة، فرتَّب لهم السُّلْطان بُطْسة كبيرة، وجعل فيها نصارى من أهل بيروت كانوا قد أسلموا، فقال: ارفعوا الصُّلْبان على البُطْسة كأنكم قاصدين الفرنج، ففعلوا ذلك، فخرج إليهم الفرنج في الشَّواني، وقالوا: نراكم قاصدين البلد؟ فقالوا: وما أخذتموه بعد؟! قالوا: لا. قالوا: وراءنا بُطْسة أخرى ردُّوها عن البلد. فذهبوا عنهم، فردُّوا القُلوع إلى البلد، ودخلوا الميناء، وكبَّر المسلمون، وامتاروا أيامًا.

وأما ابنُ ملك الألمان، فإنَّه أعدَّ دبابة عظيمة يدخل تحتها ألوفٌ من النَّاس، ولها رأسٌ عظيم برقبة طويلة، إذا نطحتِ السُّور دخلت فيه وهَدَمَتْه، وعمل بطسة لها خرطوم عظيم طويل، إذا أرادوا قلبه على السُّور انقلب بالحركات، وزحفوا إلى برج الذُّبّان، فأحرق المسلمون جميع ذلك، وطلبتِ العساكر الشَّرقية العَود إلى بلادها، فقال


(١) ما بين حاصرتين من (م) و (ش).