فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وكان وَهْرِز مُقيمًا بصَنعاءَ، فمات، فولّى كسرى أَبرويز عليها ابنَه التينجان (1) بن وهرز، ثم غضب عليه فعَزله، وولّى عليها باذان، فلم يزل عليها حتى مات في صدر الإسلام، وبُعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعاملُ أَبرويز عليها باذان، وفيروز، وداذَوَيْه، وقدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (2)، وقيل: إن الذي خَلُصَت اليمن على يده مَعْدي كرب بن ذي يَزن، والله أعلم.

فصل في قصّة أصحاب الفيل

لما أقام أَبرهةُ بصنعاء، رأى النّاس يتجهّزون أيّامَ الموسم إلى مكة، فقال: أين يذهبون؟ قالوا: إلى البيت الحرام، قال: وما هذا البيت؟ قالوا: بيتٌ بناه إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، قال: وبأي شيء هو مبنيّ؟ قالوا: بالطّين والحجارة، فقال: وحقِّ المسيح، لأبنينَ لكم بيتًا خيرًا منه، فبنى كنيسة بصَنْعاء؛ لم يُبْنَ في زمانها مثلُها، بناها بالرُّخام، وزَخرَفها بالذَّهب والفضة والجواهر واليواقيت، ولطّخ حيطانها بالمِسْك، وجعل في أعلاها قُبَّةَّ عَظيمةً من عجائب الدُّنيا، وجعل على رأسها ياقوتةً حمراءَ تُضيء تلك النّاحية في الليل منها، وجعل على أبوابها السُّتور والحَجَبة والسَّدَنة، وسمّاها: القُلَّيْس، وأمر الناس بحجِّها، وكتب إلى النجاشي: قد بَنيتُ لك كنيسة لم يُبْنَ مثلُها، ولسْتُ بمُنْتَهٍ حتى أَنقلَ إليها حَجَّ العرب.

فدخل نُفَيلُ بن حبيب الخَثْعميُّ فلطَّخ القُلَّيْس بِعَذِرِه، ودخل أَبرهةُ ليصلّي، فرأى العَذِرة في القُبَّة، فقال: مَن فعل هذا؟ فقال السَّدنة: رجلٌ من العرب، من أهل البيت الذي أبطلت حجَّ النَّاس إليه، غضب لكَعبتهم.

وكان أبرهةُ قد منع أهلَ اليمن من الحجِّ إلى مكة، فأقاموا سنين، فغضب أَبرهةُ، وقال: وحقّ المسيح لأَنقُضنَّ بيتَهم حَجرًا حجرًا، وكتب إلى النجاشيّ يطلُبُ فيلَه الأعظم، واسمه: محمود، ولم يكن في زمانه أقوى منه ولا أعظم، فبعث به إليه،


(1) في تاريخ الطبري 2/ 148: البينجان، والمثبت من السيرة 1/ 69، والنسخ مضطربة في رسمه.
(2) في المعارف 639: وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث باذان عامل أبرويز عليها -يعني اليمن- ومعه قائدان من قوّاد أبرويز يقال لهما: فيروز وداذويه، فأسلموا.

<<  <  ج: ص:  >  >>