للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

قار، ورؤساء بكر يومئذ ثلاثة نفر: هانئ بن قبيصة الشيباني، ويزيد بن مُسْهِر الشيباني، وحنظلة بن ثعلبة العِجْلي، ولم يشهدهم أحد من بني حنيفة ولا غيرهم، وجهز إليهم كسرى إياس بن قَبيصة الطائي، وكان قد ملَّكه بعد ما قتل النعمان بن المنذر على العرب، فسار في طيئ، واللَّهازم، وسائر العرب.

وكتب كسرى إلى قيس بن مسعود بن ذي الجَدَّين، وأمره أن يوافي إياس بن قَبيصة، فوافاه في جمع عظيم، وانضم إليهم ألف من إياد، وألف من بَهراء، عليهم خالد البَهراني، وجهَّز كسرى الهرمزان في ألفين من العجم والأساورة، فدخلوا البرية وإياس بن قبيصة في المقدمة، ولما علم القوم، أرسل يزيد بن مُسْهر الشيباني إلى هانئ بن قبيصة: أن ابعث إلينا بحلقة النعمان فانثرها في بني شيبان، وكانت عشرة آلاف، فقال هانئ: وكيف أصنع بأمانتي؟ فقال يزيد: إنَّكم إن هلكتم، فسيأخذون الحلقة وغيرها، وإن ظهرتم فما أقدركم على استردادها من قومكم، فنثرها هانئ في بني شيبان، ودنا إياس والأعاجم من بني شيبان، فقال حنظلة بن ثعلبة: يا معاشر بكر، إن نُشّاب الأعاجم يُفَرِّقكم، فبادروهم باللقاء وعاجلوهم بالقتال، ونادى هانئ: يا قومِ، هالكٌ معذور خير من ناجٍ مغرور، والصبر من أسباب الظَّفَر، والمنية خير من الدَّنيَّة، واستقبال الموت في عِزٍّ خير من استدباره في ذلٍّ، والجِدَّ الجِدَّ فما من الموت بدّ، ثم ليقاتل كل رجل منكم عن حليلته وولده، فقالوا: طب نفسًا، فنحن نمشي إلى الموت، وكان على الميمنة يزيد بن مُسْهِر الشيباني، وعلى الميسرة حنظلة بن ثعلبة العِجْلي، وهانئ بن قبيصة في القلب، وكان على ميمنة الأعاجم الهرمزان، وعلى الميسرة عسكر السواد في مقدم من الأساورة، وفي القلب إياس بن قبيصة الطائي في العرب، والتقى الجمعان فكان يومًا لم يُرَ في الجاهلية مثلُه. ثبتت العرب على نُشَّاب العجم، وقطعت بنو شيبان أكمام أقبيتها من المناكب ليتمكنوا من ضرب السيوف، وأعطى الله النَّصر لبني شيبان، فانهزمت الفرس، وأَتبعهم بنو شيبان حتَّى دخلوا في السواد، واستدلوا عليهم قتلًا، وأُسر عامةُ الفرس، ونجا الهرمزان وَحْدَه وإياس بن قبيصة على فرس يقال لها: الحمامة، وغنموا أموالهم وخيولهم وسلاحهم، وكان أولَ من قدم على كسرى إياسُ بن قبيصة، وكان كسرى لا يخبره أحد بهزيمة جيش إلا نزع أكتافه، فلما أتاه إياس قال له: ما الخبر؟ قال: هزمنا بكرًا، وقتلنا رجالهم، فأعجب به وأعطاه مالًا وكسوة، فاستأذن إياس في الانصراف إلى عين تمر وقال: أخي مريض. فلهذا