<<  <  ج: ص:  >  >>

الخندق وسَلْع، وأقبل علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - في نفر من الصحابة - رضي الله عنهم -، فأخذ عليهم الثُّغْرة التي اقتحموها وأقبلتِ الفرسانُ تُعْنِقُ نحوهم (1).

ذكرُ مَقْتَلِ عمرو بن عبد وُدّ:

قال الواقدي: لم يشهد عمرو أحدًا، وإنما قاتل يوم بدر قتالًا شديدًا، فأُثخِنَ بالجِراحات وهرب إلى مكة، فلما كان يومُ الخندق خرج مُعْلمًا ليُرى مكانه، وهو يومئذ ابنُ سبعين سنةً، وكان يُعَدُّ بأَلْفِ مقاتل، فدعا إلى البِراز، فلم يبرز إليه أحد، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَن لهُ"؟ فقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وكرَّم وجهه: أنا، فعمَّمه بيده وأعطاه سيفه ذو الفقار، فبرز إليه وناداه: يا عمرو، إنك عاهدت الله أن لا يدعوك رجل من قريش إلى خَطْبَيْن (2) إلا أجبته إلى أحدهما. قال: أجل. قال: فإني أدعوك إلى الله ورسوله والإِسلام. فقال: لا حاجة لي في ذلك. قال: فأنا أدعوك إلى البراز. فعرفه، فقال: ولم يا ابن أخي فوالله ما أُحِبُّ أن أَقْتُلَكَ. فقال علي - رضي الله عنه - وأرضاه: ولكني أُحِب أن أقتلك. وناداه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: تقدم على اسم الله. فعند ذلك غضب عمرو وأنشد: [من مجزوء الكامل]

ولقد بُحِحْتُ من النِّدا ... ءِ لجمعِهم هَل مِن مُبارِزْ

وَوَقفتُ إذ جَبُنَ الشُّجا ... عُ توقُّفَ البَطلِ المناجِزْ

إنَّي كذلِكَ لم أَزلْ ... متسرِّعًا نحو الهَزاهِزْ

إنَّ الشجاعةَ في الفتى ... والجودَ من خير الغرائز

فأجابه عليٌّ رضوان الله عليه: [من مجزوء الكامل]

لا تعجلنَّ فقد أَتا ... كَ مُجيبُ صوتِك غيرُ عاجزْ

ذو نيَّةٍ وبَصيرةٍ ... والصَّدقُ منجى كلَّ فائزْ

إنَّي لأَرجو أَن أُقيـ ... ـمَ عليكَ نائحةَ الجنائزْ

مِن ضَربةٍ فوهاءَ يَبْـ ... ـقَى ذكرُها عند الهزاهزْ


(1) "السيرة" 2/ 224، "تاريخ الطبري" 2/ 573 - 574.
(2) في "السيرة": خلتين.

<<  <  ج: ص:  >  >>