<<  <  ج: ص:  >  >>

قريش شيئًا فأبقني لها فإنه لا قومَ أحبُّ إلي أن أجاهدَهم من قومٍ كذَّبوا رسولَك، وآذَوْه، وأخرجوه، اللهمَّ ولا تُمِتْني حتى تُقِرَّ عَيْني من بني قريظة، واجعله لي شهادة (1). وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية.

قالت عائشة - رضي الله عنها -: واقتحمتُ حَديقةً فيها نفرٌ من المسلمين، فيهم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، وفيهم رجل عليه تَسْبِغَةٌ لا يُرى منه إلا عيناه، والتسبغة: المِغْفر. فقال لي عمر: إنك لجريئةٌ ما جاء بك؟ وما يدريك لعله يكون تحوُّزٌ أو بلاءٌ. فوالله ما زال يلومُني حتى وَدِدْتُ أن الأرض انشقت ساعتئذٍ فدخلت فيها، فكشف الرجل عن وجهه فإذا هو طلحة بن عُبَيْد الله، فقال لعمر: ويحك يا عمر، قد أكثرتَ، فأين الفرار؟ أين التحوُّزُ إِلا إلى الله تعالى (2)؟

وقال عبدُ الله بن كعبِ بن مالك: ما أصاب سَعْدًا يومئذٍ إلا أبو أُسامةَ الجُشَمي، حليفُ بني مخزوم، رماه بالسهم في أكحله (3).

حديث نُعَيْم بن مسعود الغطفاني:

قال علماءُ السَّيَرِ: كان نُعيمُ بنُ مسعودٍ صديقًا لبني قُريظة، نديمًا لكعب بن أسد يَقْدمُ عليه فيكرمُه ويُزَوَّدُه من التمر، فلما اشتد الأمر برسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين، قال نُعَيْمٌ: فأوقع الله الإِسلام في قلبي، فكتمت قومي ذلك، وأتيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - ليلًا، فقال: "مَا جَاءَ بِكَ؟ " فأخبرته بإسلامي، وقلت: قد كتمتُه عن قومي، فَمُرْني بما شئت، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "خَذِّل عنَّا ما استطعت، فإن الحربَ خَدْعَةٌ". فخرج نُعيمٌ فأتى بني قُريظة، فرحَّبوا به وقالوا: ما جاء بك؟ فقال: قد عرفتم وُدِّي إياكم، وكان صديقًا لهم في الجاهلية، قالوا: صدقت ولا نَتَّهِمُك في شيء. فقال: إن قريشًا وغطفانَ ليسوا من أهل هذه البلاد، وإنما جاؤوا طلبًا للغنائم، فإن أصابوها وإلا رجعوا إلى بلادهم، وخلَّوْا بينكم وبين محمدٍ، ولا طاقةَ لكم به، فلا تقاتلوه معهم


(1) "السيرة" 2/ 226 - 227، و"تاريخ الطبري" 2/ 575.
(2) "تاريخ الطبري" 2/ 576.
(3) "تاريخ الطبري" 2/ 576 - 577.

<<  <  ج: ص:  >  >>