فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[فصل في ذكر البحار وما فيها من عجائب الآثار]

قال أحمد بن حنبل: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا العوَّام بن حَوْشَب، حدثنا شيخٌ كان مرابطًا بساحل البحر قال: لقيت أبا صالح مولى عمرَ بنِ الخطاب - رضي الله عنه - فقال: حدثني عمرُ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ليسَ مِن ليلَةٍ إلَّا والبحرُ يُشرِفُ على الأرضِ، يَسْتأذِنُ رَبَّه ثلاثًا هل يَنْفَضِخُ على الأرضِ فيَكفُّه الله تعالى" (1). قلت: وقد ذكر جدي رحمه الله هذا الحديث في "الواهية"، وقال: العوَّام بن حَوْشب ضعيف، والشيخ الذي في الحديث مجهول (2).

قلت: أما العوَّام بن حَوْشب فهو شيخ شيخ أحمد بن حنبل وقد أخرج عنه في "المسند" أحاديثَ، وأما الشيخ المجهول فلا يقدح في الحديث، فقد أخرج الحُميديُّ في آخر "الجمع بين الصحيحين" عن رجلٍ مجهول وغيره، وإنما الحديث الذي ضعَّفوه رواه أبو هريرة وغيره: "إنَّ الله تعالى كلَّمَ البحرَ الشاميَّ فقال: يا بَحرُ، ألم أخلقْكَ، وأكثرتُ ماءَكَ" وهو حديث طويل، قال جدي في "الواهية": في طريقه عبد الرحمن العمري اتفقوا على تركه. وذكر غيره وقال: إنما هو من كلام كعب الأحبار (3).

فإن قيل: فلم سمي بحرًا؟ قلنا: لعمقه وسعته، وقال الجوهري: البحر خلاف البر، قال: وكلُّ نهرٍ عظيم بحرٌ، ويسمَّى الفَرَسُ الواسعُ الجري بحرًا بالحديث (4).

واختلفوا في عدد البحار على أقوال:

أحدها: أنها سبعة أبحر، منها ستة ظاهرة وواحد محيط بالدنيا مظلم ومنه تستمد، قاله ابن عباس.


(1) أحمد في "مسنده" (303)، وينفضخ: ينفتح ويسيل.
(2) "العلل المتناهية" (37).
(3) "العلل المتناهية" (33).
(4) وهو ما أخرجه البخاري (2627)، ومسلم (2307) من حديث أنس - رضي الله عنه - قال: كان فزع بالمدينة، فاستعار النبي - صلى الله عليه وسلم - فرسًا من أبي طلحة - يقال له: المندوب، فركب فلما رجع قال: "ما رأينا من شيء، وإن وجدناه لبحرًا". وانظر "الصحاح": (بحر).

<<  <  ج: ص:  >  >>