فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[السنة الثامنة من الهجرة]

فيها: قَدِمَ عمرو بن العاص وخالدُ بن الوليد وعثمانُ بن طلحة العَبدري على رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في صَفَر إلى المدينةِ مسلمين (1).

قال عمرو: كنت للإسلام مجانِبًا مباعدًا معانِدًا، حضرتُ بدرًا مع الكفار فنجوتُ، وحضرت أحدًا والخندق فنجوتُ، فقلت في نفسي: كم أُوْضِعُ! فوالله لَيَظْهَرَنَّ محمدٌ على قريش، فلحقت بمالي بالوَهْطِ (2)، فلما حَضَرَتِ الحديبيةُ وانصرف رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة بالصلح، قلت: والله لَيَدْخُلَنَّ محمدٌ مكَّةَ من قابل، ولئن دخلها فليست لنا بمنزل، وكنت أقول: لو أسلمتْ قريشٌ ما أَسْلَمْتُ، فقدمتُ مكَّة فجمعت رجالًا من قريش كانوا يرون برَأْيي ويسمعون مني ويُقَدِّموني فيما نابَهم فقلت لهم: إني لأرى محمدًا يعلو الأمور عُلُوًّا مُنْكرًا، وإنِّي قد رأيت رَأْيًا فما تَروْن فيه؟ قالوا: وما ذاك؟ قلت: نلحق بالنجاشي فنكون عنده، فإن ظهر محمدٌ على قومِنا، كنا تحت يد النجاشي أحبَّ إلينا من أن نكون تحت يدِ محمدٍ، وإن ظهر قومُنا، لا يأتينا منهم إلا خير، فقالوا: هذا الرأي. فجمعنا أَدَمًا كثيرًا هًدِيَّةً وكان يحب الأَدَمَ، فقدمنا عليه فوالله إنّنا لعنْدَهُ إذ قدم عليه عمرو بن أمية الضَّمْري وكان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - قد بعثه في شأن جعفر وأصحابه وتزويجِ أُمِّ حبيبة، فدخل عليه ثم خرج من عنده، فقلت لأصحابي: لو سألت النجاشيَّ فأعطاني عمرًا فضربت عنقه فترى قريش أنني قد قتلتُ رسولَ محمدٍ، فدخلت على النجاشي فسجدت له كما كنت أصنع، فقال: مرحبًا بصديقي هل معك هدية؟ قلت: نعم، الأَدَمُ الكثير فقدَّمْتُه إليه، فأعجبه وفرَّق منه شيئًا في بطارقته وأمر بحفظ الباقي، فلما رأيت طيبَ نَفْسِه قلت له: أَيُّها الملكُ، رأيت رجلًا خرج من عندك وهو رسول رجلٍ هو عَدُوُّنا قتل أشرافَنا ووتَرَنا، فادفعه إلي لأقتله. فغضب غضبًا شديدًا ورفع يده فضرب بها أنفي، فظننت أنه قد كُسِرَ، فلو انشقت الأرضُ لدَخَلْتُ فيها فرقًا


(1) "السيرة" 2/ 276، و"المغازي" 2/ 741، و"تاريخ الطبري" 3/ 29، و"المنتظم" 3/ 314، و"البداية والنهاية" 4/ 236.
(2) في النسخ: بالرهط، والوهط: قرية بالطائف كانت لعمرو بن العاص. معجم البلدان 4/ 943.

<<  <  ج: ص:  >  >>