فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فصل في مبادي البحار (1)

واختلفوا فيه على أقوال:

أحدها: أنها من الاستقصَّات (2) الأربع، خلقها الله تعالى يوم خلق السموات والأرض كما في جميع المياه.

والثاني: أنها بقية طوفان قوم نوح - عليه السلام -. قاله ابن عباس والمفسرون.

والثالث: أنها من عَرَقِ الأرض لما ينالها من حرارة الشمس.

والرابع: أنها من مياه الأرض، فالملح ينحدرُ إلى الأماكن المنخفضة فينعقد غليظًا كدرًا وتختلط به الأجزاء النارية. فأما المياه العذبة فترتفع في أيام الشتاء إلى الجو فيحدثُ منها المطر بإذن الله تعالى، فلا تزال العينُ قائمة أبدًا، وهذا قول علماء الهيئة.

وأما ابن عباس فقد روى عنه عكرمة أنه قال: البحر المظلم من ورائه بحر آخر يقال له: الباكي، وماؤه عذب، وإنما سمي الباكي، لأنه يبكي من خشية الله تعالى، وليس بعده شيء.

وقال علماء الهيئة: هذه البحار بأسرها داخلة في الفَلَك، لأنَّه محيط بالأرض كلها.

فصل

ثم هذه البحار ينتقل بعضها على ممر السنين والدهور، فيصير موضع البحر برًّا وعلى العكس، وعلَّةُ ذلك جريانُ الماءِ، فإنَّ لموضع جريانه شبابًا وهرمًا، وحياة وموتًا، ونشأة، كما يكون في الحيوان والنبات، وقد رأينا ذلك عِيانًا في الأنهار العظام كالنِّيل والفُرات ودِجلةَ والنَّجَف بالكوفة، فإنَّه كان بحرًا تأتي فيه السفن من الهند، فاستحال الماء عنه إلى موضع آخر، وكذا ببغداد في دجلة العَوْراء فإنها استحالت فراسخَ فأخربت قرًى كثيرة، وهي اليوم قد استحالت أيضًا، والله أعلم.


(1) انظر "كنز الدرر" 1/ 170.
(2) لعلها الاسطِقِسَّات: وهو لفظ يوناني يعني: "الأصل" والاستقسات: الماء والأرض والهواء والنار وهي أصول المركبات. "التعريفات" ص 39.

<<  <  ج: ص:  >  >>