<<  <  ج: ص:  >  >>

حديثُ مسجدِ الضِّرار

قال يزيد بن رومان: أقبلَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - حتى نزل بذي أَوان، وقد جاءه من أصحاب مسجد الضرار: مُعَتِّبُ بنُ قُشَيْر، وثعلبة وخِذَام، وأبو حبيبة، وعبد الله بن نَبْتَل، فقالوا: يا رسولَ الله إنّا رُسُلُ مَنْ خَلْفَنَا من أصحابنا، وإنا قد بنينا مسجدًا لذي العِلَّةِ والحاجةِ والليلةِ المطيرةِ، ونحن نحبُ أن تأتِيَنا فتصليَ بنا فيه - ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يتجهز إلى تبوك - فقال: "إني على جَناحِ سفر، فإذا قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلَّيْنا بكم فيه"، فلما عادَ من تبوك ونزل بذي أوان، أتاه خبره وخبر أهلهِ من السماء، وكانوا إنّما بَنَوْهُ لأبي عامرٍ الراهبِ، فكان بالشَّام هاربًا، وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح فابنوا لي مسجدًا، فإني قادمٌ بخيول الروم من عند قيصر فأُخْرِجَ محمدًا وأصحابه، وكان الذي بنوه اثني عشر (1).

وقال الثعلبي: جاء المنافقون إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فسألوه أن يصلِّيَ فيه، فدعا بقميصِهِ ليلبَسه ويأتيَهم فأنزل الله عليه خبرَ السماء وما هموا به، فدعا مالكَ بنَ الدُّخشُم ومعن ابن عدي وعامر بن السَّكَن وقال: "اذهَبُوا إلى هذا المسجدِ الظَّالمِ أهلُه فاهدموه" (2).

وقال ابن إسحاق والواقدي: بعث مالك بن الدخشم وعاصم بن عدي وقال لهما: "انطَلِقا إلى هذا المسجدِ الظالم أهلُهُ فاهدماهُ واحرقاه". فخرجا مُسْرِعَيْنِ، وأخذ مالك سَعَفًا من النخل وأشعل فيه نارًا، وانتهيا إليهم بين المغرب والعشاء وهم فيه وإمامهم يومئذ مُجَمِّعُ بن جارِيَة، قال عاصم: فأَحْرقْناه وهدمناه وثبت فيه منهم زيدُ بن جارية بن عامر فاحترقَتْ إِلْيَتاهُ، وجَعَلْناهُ مع الأرض وتفرَّقُوا، فلما قِدِمَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - المدينةَ أعطاه لعاصم بن عديًّ يتخذه دارًا، فقال: ما كنت لأتَّخِذَ مسجدًا - قد نزل فيه ما نزل - دارًا، وإني لفي غِنىً عنه، أَعْطِه يا رسول الله ثابتَ بن أقرم، فأعطاه ثابتًا، وكان قد احترق معه دار وديعة بن ثابت ودار عامر إلى جنبها، وكان أبو لبابة بن عبد المنذر قد أعانهم فيه بخشب، وكان غير مغموصٍ عليه في النفاق، فلما هدم أخذ أبو لبابة خشبه ذلك فبنى به منزلًا (3).


(1) انظر "السيرة" 2/ 529، و"المغازي" 3/ 1045 - 1046.
(2) تفسير الثعلبي 3/ 247.
(3) "السيرة" 2/ 530، و"المغازي" 3/ 1046 - 1047.

<<  <  ج: ص:  >  >>