فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لأحدٍ من رعيته في البناء بهما، وهو يهودي وعسكره اثنا عشر ألفًا كلهم يهود، وحاشيته أربعة آلاف، وفي بلاده مسلمون ويهود ونصارى ومجوس وعبدة الأوثان، وللملك سبعة من الحكام من هذه الأصناف التي ذكرنا يقضون بين الناس ولا يصل أحدٌ إلى الملك إلّا في النادر.

وذكر ابن حوقل حكايةً طويلة اختصرتها، حاصلها: أن رجلًا وُلدَ له ولد، وكان له غلامٌ يتّجر بماله، فمات الرجل وتنازع الولد والغلام في المال، فالولد يقول: هو مال أبي، والغلام يقولُ: بل المال لي والرجلُ أبي، وأقاما يتحاكمان عند الحكام سنة، وأقام كلُّ واحدٍ منهما البينة، ومن عادتهم إذا امتدت الحكومةُ سنةً ولم تنفصل حالٌ تولَّى الملكُ الأمر بنفسه، فأحضرهما الملك وأعيدت عليه الدعاوى، فلم يجدْ ما يقتضي الترجيحَ بين البيِّنتين فأفكر ساعة وقال للابن: أتعرف قبر أبيك؟ فقال: كنت غائبًا لما مات، ولما قدمتُ قالوا: هذا قبر أبيك، فقال للغلام المدَّعي البنوَّة: أتعرف قبر أبيك؟ قال نعم: أنا توليتُ دفنه، فقال عليَّ برِمَّةٍ منه -رمة بكسر الراء: عظم بالٍ- فأحضرَت، فقال: افصدوا الغلامَ على هذه الرمة ففصدوه فكان الدم يحيد عنها يمينًا وشمالًا لا يعلَق بها منه شيء، ثم قال: افصدوا الابنَ عليها، ففصدوه فعلق الدم بالرَّمة وشربته جميعه، فسلَّم المال إلى الابن وأَدَّبَ الغلامَ ونكَّلَ به (1).

[فصل في عجائب العراق]

حكى جدي رحمه الله عن حميد الدَّهْقان، دهقان (2) الفلوجة السفلى، قال: كان ببابل سبع مدائن، في كل مدينة أعجوبة ليست في الأخرى.

فكان في المدينة الأولى هيئة مثال الأرض كلها وفيها صورة أنهارها، فإذا التوى بعضُ أهل المملكة خرق أنهارها فغرق أهلها فلا يستطيعون سدَّها حتى يطيعونه وينقادون إليه.


(1) "صورة الأرض" ص 330 - 332.
(2) الدهقان: -بالكسر والضم- رئيس الإقليم، ومقدم قرية وصاحبها في خراسان والعراق. "تاج العروس" (دهقن).

<<  <  ج: ص:  >  >>